على مسافة مئتي كيلومتر شمال الخرطوم، تراكمت الرمال داخل أهرامات مدينة مَروِي الأثرية، مع تعطّل الصيانة المنتظمة بسبب الحرب الدائرة في السودان، منذ إبريل/نيسان 2023. وسط هذه الظروف، حذَّر آثاريون من احتمال وقوع انهيارات في الموقع، الذي يضمّ مقابر ملكية لحكام مملكة كوش، وأكثر من 200 هرم بُنيت بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي. ومن ملامح الانهيار، بحسب ما نقلته وكالة أسوشييتد برس منذ أيام، شقوق بنيوية أصابت عدداً من الأهرامات، إضافة إلى نموّ الأعشاب في الموقع الأثري، وتبلور الأملاح داخل الأحجار الرملية، ما يهدّد النقوش والمنحوتات القديمة بالتآكل.
ومع ضعف قدرة هيئة الآثار على إجراء الصيانة الدورية، أصبحت التقلبات المناخية التي تتعاقب على امتداد العام، مثل السيول الموسمية والرياح، عوامل تهديد للمعالم الأثرية. وشملت أضرار الحرب الآثار السودانية سواء في المواقع المفتوحة أو في المتاحف، مثل المتحف القومي ومتحف الإثنوغرافيا في الخرطوم وبيت الخليفة في أم درمان، بحسب تقرير لـ"يونسكو" في إبريل/ نيسان الفائت، الذي أحصى تضرّرَ أكثر من مئة موقع ثقافي وأثري، ونهب أو تدمير 22 متحفاً. وإلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت بالآثار بسبب الحرب وتوقف الفرق الأثرية، أدّى غياب الحراسة للمواقع الأثرية، إلى نشاط عمليات التنقيب غير القانوني. وقامت فرق سودانية وشركاء دوليون بمحاولات محدودة لإنقاذ المواقع الأثرية، شملت إزالة الرمال، وتحسين تصريف المياه، وترميم أجزاء متضررة، إضافة إلى أعمال توثيق تهدف في النهاية إلى استعادة القطع المنهوبة، بحسب تقرير آخر لـ"يونسكو" صادر في يوليو/ تموز الفائت.
وتشمل جزيرة مروي، المدرجة في قائمة التراث العالمي منذ عام 2011، ثلاث مجموعات أثرية، وهي المدينة الملكية، ومدافن مروي، وموقع النقعة. تضم هذه المجموعات أهرامات ومعابد وقصوراً ومنشآت مائية، توثّق تاريخ مملكة كوش. وتجمع أنماط العمارة المروية تأثيرات متوسطية ومصرية، إذ وصل حكم ملوك كوش إلى مصر شمالاً، وتقاطعت فيها طرق القوافل التي كانت تعبر مسارات النيل، كما ربطت، بسبب موقعها، الداخل الأفريقي بمصر والبحر الأحمر، وكانت بوابة لشعوب عديدة إلى الفضاء المتوسّطي، من خلال شبكة من التفاعلات التجارية والثقافية، وشهدت المدينة، كما وادي النيل، تطوراً في تاريخ الأفكار والأديان.
مع غياب الرعاية، أصبحت الطبيعة عامل تهديد للمعالم الأثرية
وعلى امتداد أكثر من سبعمئة كيلومتر شمال الخرطوم، تنتشر مواقع توثّق عصوراً متعاقبة وفق دراسة أعدّها الباحثان حباب إدريس أحمد وجيف إمبرلينغ، حملت عنوان "علم الآثار والتراث الثقافي في زمن الحرب: السودان 2023–2025"، ونشرتها مجلة Antiquity البريطانية المتخصصة في علم الآثار في عدد أكتوبر/ تشرين الأول 2025. ومن المواقع التي توثّقها الدراسة: موقع كرمة الأثري، وهو أحد أقدم المراكز الحضرية في أفريقيا ومقر المرحلة الأولى من مملكة كوش، وجبل البركل ونبتة ومدافن الكرو ونوري، ومدن الممالك النوبية المسيحية مثل دنقلا القديمة، إلى جانب مجموعة من المواقع التي تعود إلى التاريخ الإسلامي، مثل سواكن وسوبا وغيرها.