الطاهر بن جلون في اختبار الصورة والنافذة

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 11:06 (توقيت القدس)
من المعرض (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تجربة بصرية فريدة: يعرض الطاهر بن جلون في معرضه "على إيقاع الضوء" بالدار البيضاء لوحات زجاجية وأخرى بالأكريليك، حيث تتناغم الألوان بشكل مدروس لتمنح المتلقي إحساساً بالصفاء والهدوء.

- الزجاج كوسيط فني: اللوحات الزجاجية، بالتعاون مع فيليب بريسي، تقدم تجربة بصرية تعتمد على الضوء والشفافية، حيث تتحول الأشكال إلى علامات معلّقة في فضاء بصري مفتوح.

- الأكريليك والرمزية: اللوحات الأكريليكية تتميز بمساحات لونية صافية وحواف محددة، مع تنظيم صارم للفضاء، حيث تبرز الأشكال المعمارية والنباتية كرموز بصرية مجردة، مصحوبة بكتابات توجه القراءة.

اللون يظلّ العنصر الأكثر حضوراً في تجربة الروائي المغربي الطاهر بن جلون؛ اللوحة زاهية ومشرقة قائمة على تناغم مدروس، والألوان المشبعة تتجاور دون صدامات، ما يمنح المتلقي إحساساً دائماً بالصفاء، كما في معرضه "على إيقاع الضوء"، الذي يتواصل في محترف 21 بمدينة الدار البيضاء حتّى نهاية الشهر الجاري. يضمّ المعرض عشر لوحات زجاجية إلى جانب ما يقارب عشرين لوحة منجزة بالأكريليك على القماش.

تحمل الأعمال الزجاجية عناوين موحّدة في صيغتها، إذ سُمّيت كل واحدة منها "نافذة"، مرقّمة من واحد إلى عشرة. هذا الاختيار الدلالي لا يقدّم العنوان تسميةً وصفية، وإنما باعتباره مفتاحاً لقراءة التجربة برمّتها. النافذة هنا لا تمثل عنصراً معمارياً، ولا استعارةً رومانسية، إذ إنها سطح عبور، يسمح للضوء بأن يكون هو الموضوع، وليس ما يقع خلفه. الزجاج، بشفافيته وقدرته على التقاط النور وتكسيره، يفرض على الصورة نظاماً خاصاً، إذ تفقد الكتلة صلابتها، وتتحوّل العلامات إلى أشكال معلّقة، تتحرّك داخل فضاء بصري غير مغلق.

الأكريليك يُستخدم لإنتاج مساحات لونية صافية ذات حواف محدّدة

هذه الأعمال الزجاجية، المنجزة انطلاقاً من لوحات بن جلون وبالتعاون مع المعلّم الزجاجي فيليب بريسي، تبرز انتقال الفعل التصويري من سطح القماش إلى وسيط يفرض قوانينه الخاصة. اللون هنا نقرأه أثراً متحوّلاً يتبدّل وفق شدّة الضوء وزاوية النظر، غير أنّ هذا التحوّل يظل مضبوطاً، إذ لا تترك الصورة لانفلات بصري، بقدر ما تحافظ على بنيتها الرمزية الواضحة.
إلى جانب هذه "النوافذ"، تكشف اللوحات بالأكريليك على القماش عن الوجه الآخر لهذه التجربة. في هذه الأعمال، يعود السطح إلى صلابته، ويستعيد اللون استقراره. الأكريليك يُستخدم لإنتاج مساحاتٍ لونية صافية، ذات حواف محدّدة، دون اشتغال على التراكم أو على أثر التنفيذ. اللوحة تبنى بوصفها كياناً مغلقاً، تدرك بنيته منذ النظرة الأولى، فالمادة تُخضع لمنطق الضبط والتحكّم.

على مستوى التكوين، تعتمد هذه الأعمال تنظيماً صارماً للفضاء. المركز غالباً ما يحتفظ بثقلٍ بصري واضح، تشغله كتلة لونية أو عنصر رمزي مهيمن، فيما تعمل العناصر الثانوية على تثبيت الإيقاع العام. هذا البناء يمنح اللوحات توازناً واستقراراً، ويحدّد حركة العين داخل السطح دون التباس. غير أنّ تكرار هذا المنطق التركيبي داخل المجموعة يجعل الصيغة التشكيلية مألوفةً بسرعة، ويحدّ من إمكانات الانزياح البنائي.

الأشكال المعمارية والنباتية التي تحضر في هذه الأعمال لا تُشتغل باعتبارها موضوعات تصويرية، بقدر ما يظهر أنها اختزال إلى علامات عامة. القوس والباب والبرج والنخلة، تتحوّل إلى مفردات بصرية جرى نزع البعدَين المكاني والتاريخي عنها، فالمكان هنا يستحضر فكرة ذهنية وليس تجربة معيشة، وهو ما يضع اللوحة داخل فضاءٍ رمزي ثابت.

تحضر الكتابة في معظم لوحات الأكريليك باعتبارها عنصراً مرافقاً. الجمل المكتوبة بخط يدوي واضح تحتفظ باستقلالها عن البنية التشكيلية، وتظهر بوصفها تعليقاً يوجّه القراءة. ذلك أن النص لا ينبثق من منطق الصورة، ولا تجري إعادة تشكيله بصرياً داخل السطح، وإنما يرافق العمل، صوتاً دلالياً موازِياً يبدو وكأنه يحدّد أفق التلقي.