الشوقيات.. بحثاً عن المثال

29 أكتوبر 2020
الصورة
(أحمد شوقي في صورة موقعة منه إلى "مجلة أبولو")
+ الخط -

في ذكرى المولد النبويّ، الذي تحتفلُ به بعض البلدان العربيّة، رسميّاً وشعبيّاً، ينصرف الذهنُ وقد يتْبَعه الوجدانُ، إلى قصائد الشاعر أحمد شوقي (1868-1932) التي خَصّصها لغرض المديح النّبوي. فمن المعروف أنّه نظم عديد المُطوّلات في هذا الموضوع التقليدي، لعلّ من أشهرها "وُلد الهدى"، "سلوا قلبي"، اللتَيْن غَنَّتهما أم كلثوم، و"يا قلبُ، ويحكَ والمودّةُ ذمّةٌ"، فضلاً عن معارضته الجَزْلة: "ريمٌ عَلى القاعِ بين البانِ والعَلَم"، لقصيدة "البردة" للبوصيري (1213-1295)، وغيرها كثير. في الحقيقة، لا تنتمي هذه الترنيمات إلى المجال الديني فقط، لأنَّ قراءة متأنيّةً في موضوعاتها وأغراضها، وحتى في نظامها المعجميّ وصورها البيانية، تكشف أنّ التاريخ السياسي كان حاضراً بقوةٍ بين أسطرها. 

فمن الممكن أن نقرأ اليوم هذا النتاج الشعريّ، الدائر على سيرة الرسول ومعجزاته وشمائله، بوصفه بحثاً عن "الأسوة الحَسنة" في ميدان التقدّم والتحديث، أسوةٍ تقارع النماذج العُليا والقيم الحادثة التي انتشرت في الغَرب. وهل ننسى أنّ شوقي شارك مع زملائه، بفرنسا، في تأسيس جمعيّة: "التقدّم المصري". ومن ذلك أنه أنشد صراحةً: "الاشتراكيّون أنتَ إمامهم" في وصف الاشتراكية، نظاماً سياسياً-اقتصاديّاً والدعوة إلى تبنّيه. ولذلك، فالعودة إلى عهد النبوة بحثٌ عن الفردوس المفقود وعن مَثلٍ جامع تلتفّ حوله أُمّة الإسلام بأسرها، في وقت تَفكَّكت فيه عُراها بسببٍ من انهيار الخلافة العثمانية. 

كما استرجَع النموذج النبوي ليدلّلَ، شعريّاً، على أنّ قيمَ الحداثة، التي يتغنّى بها الغرب ومتابعوه من المفكرين، كان قد بَشّر بها النبيّ قبل قرونٍ، في استعادة واضحة لخطاب النهضة العربية الذي كان يدعو إلى اقتباس قيم التمدن والحرية والمساواة... بعد أن سُلبت من الحضارة الإسلامية. ويجدر التذكير هنا بأنّ جلَّ هذه القصائد صيغت في السياق الاستعماريّ، قبل خروج المحتلّ البريطاني والفرنسي من سائر البلدان العربيّة، ما يجعل التغنّي بالرمز المحمديّ والدعوة إلى الالتفاف حول تعاليمه والإشادة بشَمائِله وسيلةً لإيجاد هويّة سياسيّة جامعة ومرجعيّة يتوحّد حولها العرب المسلمون الذين طُمست هويتهم الثقافية وتلوعب بذاكرتهم الجماعية، وربما حتى أهينت في ماضيها المقدس عبر الأبحاث الاستشراقية التي نشطت في تلك الفترة بالذات، مثل أعمال المستشرق الإنكليزي صمويل مرجليوث (1858 – 1940) ونولدكه وشوالي.

هل من تَعليل علميّ لذوب الوجدان حين تشدو بها أم كلثوم؟

وهذا ما أدى بأمير الشعراء إلى الانخراط في مسار تمجيدي، عَرفته مصر طوال العقديْن الثالث والرابع من القرن العشرين، وقد تمثل في كتابة السيرة النبوية بشكل حداثي يُظهر الجانبَ البشريّ والكونيّ فيها، ومن أهم من برَّز في هذا الغرض طه حسين وتوفيق الحكيم وحسين هيكل وعباس العقاد، ردّاً على مزاعم هؤلاء المستشرقين، مع جُنوحٍ منهم واضحٍ إلى تَضخيم هذا الرمز الأعلى. ويكون شوقي قد ساهم في هذا المجهود، بطريقة شعريّة، واصَلت ما قاموا به هم نثراً وتأريخاً. 

وأما البعد الثاني، فتقتضيه "إمارة الشعر" التي تقلّدها، ومن لوازمها التصرّف في أغراض الشعر التقليديّة، التي تشكل نواة الذاكرة الجماليّة عند العرب، وهو تصرّفٌ يُراد منه إظهار قوة العارِضة وبيان الاقتدار على الخوض في كل الموضوعات والأغراض الأدبية، كالأقدمين. وهو لا يقتضي صدقاً في المشاعر ونقلاً مُخلصاً للوجدان، بقدر ما هي البراعَة في التصوير حسب عَمود الشعر، والعبارة للمرزوقي. إذ تندرج جلّ مدحياته ضمن تمرين المعارضة الشعريّة التي يعني اجتراح قصيد على ذات البحر والقافية، وحتى الموضوع، وهو ما قام به شوقي مع بُردة البوصيري: "أمن تذكر جيران بني سَلَم؟". ولا شكَّ في أنه بزّها، تحديداً عبر هذه الإيحاءات الضمنيّة والصريحة إلى السياق التاريخي الذي كان مشتعلاً في فترة ما بين الحربَيْن.

في محَمّدياته، حاور أحمد شوقي رمزاً متعالياً عن التاريخ، لكن عَبر مقولات التاريخ الوطني-المصري في سياقه القومي-العربي الأوسع. ولا تكمن اليوم جماليةُ تلك القصائد في إيحاءاتها على ذاك الواقع المرير والسعي وراء التألق المحمّدي، بل في صيغه اللغوية التي تجاوزت كلّ تاريخ واتصلت بذاكرة البيان العربي ومنها مَتَحَت، وارتبطت بطور من أطوار الضاد فَأجْلَتْها في أرقى مجاليها، ولا تزال إلى يومنا هذا تجد آفاق انتظارٍ متعطّشة. فهل من تَعليل علميّ لذوب الوجدان حين تشدو أم كلثوم: أبا الزهراء قد جاوزت قَدري؟ وهل لنا أن نتخيّل أصحاب الرسوم المسيئة وساستهم يقرأون مدحياتِ شوقي أو يسمَعونها ترنيماتٍ من حنجرة السِّت، فقط لو أنهم كانوا يُحسِّون.


* كاتب وأستاذ جامعي مقيم في فرنسا

المساهمون