"الشر".. أسلاك شائكة من أوشفيتز إلى غزة

21 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:09 (توقيت القدس)
من المعرض (مركز أكتوبر للثقافة المعاصرة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في معرض "الشر" للفنان آرتور هيراس، يُبرز خط زمني من الأسلاك الشائكة النزاعات العالمية من أوسترليتز 1805 إلى غزة 2025، مشيراً إلى الثابت الوحيد في التاريخ: الحرب والشر، حيث تتغير الوجوه والضحايا، لكن الألم والمعاناة الجماعية تظل ثابتة.

- يركز المعرض على الأطفال واللاجئين، مستوحياً من أحداث مأساوية مثل الهولوكوست، حيث تتكرر صورة الأطفال المغطاة وجوههم في 45 رسماً، مما يربط الماضي بالحاضر ويؤكد على تكرار الشر.

- يقدم هيراس تحليلاً فلسفياً للشر، مستحضراً أفكار حنة آرندت وعمق ماريا ثامبرانو، ويستحضر لوحة "ملاك التاريخ" لبول كلي، مشيراً إلى استمرار الشر عبر الزمن، مع غزة 2025 كرمز معاصر لمأساة إنسانية.

في معرض "الشر" الذي يفتتحه الفنان الإسباني آرتور هيراس في "مركز أكتوبر للثقافة المعاصرة" في فالنسيا، يربط خط زمني مرسوم بالأسلاك الشائكة بين أبرز النزاعات العالمية منذ القرن التاسع عشر حتى الوقت الراهن: من أوسترليتز 1805، مروراً بواترلو 1815، وغيتيسبيرغ 1863، وفردان 1916، وصولاً إلى غزة 2025. هذه الأسلاك تمثل الثابت الوحيد في التاريخ الإنساني: الحرب والشر، في حين تتغير الوجوه والضحايا، إلا أن المشهد الأساسي يظل متماثلاً: الألم والمعاناة الجماعية، والنزوح، والموت.

في قلب المعرض، يركز الفنان هيراس على صورة الأطفال واللاجئين، مستوحاة من أحداث مأساوية مثل الهولوكوست، والإبادة الجماعية في غزة، حيث يظهر مجموعة من الأطفال تغطي وجوهها، ويقودهم أشخاص أكبر سناً نحو الموت. هذه الصورة تتكرر عبر خمسة وأربعين رسماً، تشكل سلسلة من التكرارات البصرية تحيط بالمشاهد، وتشكل أفقاً مرئياً من الأسلاك الشائكة، يربط بين الماضي والحاضر، بين أوشفيتز 1945 وغزة 2025، في تذكير صارخ بأن الشر لا يزول، بل يتكرر بأشكال مختلفة.

لا يكتفي الفنان الإسباني في معرضه الذي يتواصل حتى الثاني والعشرين من فبراير/ شباط 2026، بالتوثيق التاريخي، إنما يطرح تحليلاً فلسفياً وأخلاقياً للشر، مستحضراً أفكار حنة آرندت عن تفاهة الشر؛ حيث تشير إلى أنه غالباً ما يُرتكب من قبل أشخاص عاديين ينفذون أوامر من دون تفكير أخلاقي، وعمق ماريا ثامبرانو في فهم الشر الخالص. وفي الوقت نفسه، يستحضر الفنان لوحة "ملاك التاريخ" لبول كلي كما رآها المفكر والتر بنيامين، والتي تصور الملاك وهو يشهد على تراكم الكوارث الإنسانية، عينه متجهة نحو الماضي، حيث تتكدس الأنقاض فوق الأنقاض، في حين يتجه هو إلى الأمام بلا قدرة على التدخل.

يطرح تحليلاً فلسفياً وأخلاقياً للشر، مستحضراً أفكار حنة آرندت

الخط الشائك الذي يربط الحروب في أعمال هيراس يحوّل المعرض إلى تجربة حسية ومعرفية للمشاهد. الأطفال واللاجئون يسيرون في مساراتهم بلا توقف، وهم يمثلون الذاكرة الجمعية للأجيال، ويمثلون البقاء بين الأمس واليوم، بين ما فقد وما هو محتمل أن يتكرر. هؤلاء المشاة "يتقدمون متراجعين"، كما لو أن الخط الشائك للحرب يلاحقهم دائماً، ويترك أثره على كل من يشهده.

أحد أكثر العناصر اللافتة في هذا المعرض هو إدراج غزة عام 2025 في نهاية ما يمكن تسميته بـ خط الزمن الشائك الذي يمتد من أوشفيتز 1945 حتى اليوم. في مركز المعرض، تختصر عبارة "أوشفيتز 1945- غزة 2025" صعود العنف والإبادة عبر الزمن، ما يجعل من غزة رمزاً معاصراً لمأساة إنسانية تتصل بشبكة من الشر التاريخي. 

بهذا الربط، لا ينظر هيراس إلى غزة أنه حدث معزول، بل بوصفه جزءاً من سلسلة طويلة من الكوارث والحروب التي تنتج عنها معاناة المدنيين، الشتات، والخسائر الجماعية. ويعكس ذلك إحساساً بأن الحاضر هو استمرار - وإن بتعبيرات وأسماء مختلفة - للشر نفسه الذي ظهر في معسكرات الإبادة ونزاعات القرن الماضي وإبادات هذا القرن. 

المساهمون