استمع إلى الملخص
- يكتشف السجين قوة الكتابة كوسيلة للتعبير عن ذاته ومواجهة الألم، حيث تصبح الكتابة ملاذًا يخفف من وطأة السجن وتساعده في التواصل مع العالم الخارجي.
- خلال زيارة والدته، يواجه السجين مشاعر مختلطة ويحاول بث الطمأنينة في قلبها، مؤكدًا أن الأمل والحرية سيأتيان رغم علمه بطول فترة سجنه.
كان شتاء بارداً، صقيعاً بلا معنى، خالياً من الطقوس المعدَّة لتشجيع الدفء على مواساة الجسد الإنساني الموجوع من لسعات البرد. وأنا الذي كنت هناك لأكثر من واحدٍ وعشرين عاماً وشتاءً، أعددت نفسي لمواجهة السجن بإرادة وأمل وحياة، وكان سجني الأول هو سجن "هدريم" الواقع في منتصف السهل الساحلي الفلسطيني المستعمَر. حينذاك، بدأت أدرك أن الحكم الجائر الذي أنزلَته عليّ المحكمة العسكرية الصّهيونية والقاضي بثلاثة مؤبدات، أي أكثر من ثلاثمئة عام، لن يكون من السهل التعامل مع تداعياته النفسية، ووقعه الرهيب على أسرتي. تلك الأسرة التي كانت ترى بي أملها الأجمل في الحياة، فإذا بي قد وقعتُ في أَسر من سيحتجزون عقدين من عمري، وتساءلتُ بيني وبين نفسي، وأنا أتحقّق من عالم السجن بكافة تفاصيله: كيف ستواجه أسرتي هذا الحكم المستحيل؟ وهل ستؤمن مثلي بالأمل؟ وإن كان أملاً ذا أنفاس طويلة قد ترهق أبي وأمي وإخوتي.
حكم المؤبد لا يكتفي بأن يكون جزءاً من كينونة الأسير لوحده فحسب، بل يغدو جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل أسرته اليومية، والتي باتت مثله معلّقة في مهبّ الاحتمالات العاصفة والتي لا تبوح بوعودها إلّا بعد زمن. في الشتاء الأول الذي لم يكن شتاءً، كنت محروماً من رؤية أسرتي لدواعٍ أمنية، وذلك دأبُ المستعمِر عندما يغلّف نواياه الوحشية ونزعاته القاضية بحرمان الإنسان من وجوه الذين يحبهم بيافطة الدواعي الأمنية. غير أنني لم أهتزّ وتسللتُ إلى أعماق الأحلام لأرى أسرتي هناك، لأشارك أبي صباحاً أُعلِمه فيه بتطلعاتي نحو مستقبل أفضل، وأُقبّل رأس أمي وهي تمسد جبيني بكفيها وتقول لي: يا فتاي الأجمل...
في الحلم كنت أرى إخوتي... ألاعبهم وأراقصهم، ففي الحلم ليس ثمة مستعمِر ولا سجان ولا قيود، في الحلم اكتشفت معنى الصمود، والأهم اكتشفت الكلمات، وهكذا شرعتُ بالتخفيف من ثقل الحكم المؤبد وميول السجان الشاذة عن قواعد الإنسانية.
في الحلم اكتشفت معنى الصُّمود، والأهم اكتشفت قوّة الكلمات
شتائي الأول هناك بات بريدي السري الذي أُهرّب من خلاله أكبر قدر ممكن من الرسائل، إلى أسرتي... إلى وطني... إلى العالم، وبدأت السير في الدرب الأبهى؛ درب الكتابة والكتاب، الفكرة والكلمة، المقالة والقصيدة، وصولاً إلى الأفق الأرحب: الرواية. لأواسي نفسي بعد أن حرموني من وجوه أحبتي، لأحلم ليلاً وأكتب نهاراً، وما بين الحلم والكلمة وُلد ذلك الشغف الشّهرزادي لسيرة الألم والحكاية، لتغدو الكتابة فعلاً وجودياً، وفعل حب وإرادة وصمود ومواجهة واشتباك في كل لحظة مع السجان.
وأنا كنت ذلك الطفل الذي بدأ يخطو في غربته الحديدية بتعثر وارتباك، وشيء من الحيرة. غير أنني ما لبثت أن خبّأتُ الطفل في قلبي، وقلت له ابق داخلي ولا تخرج إلى دروب السجن، فالسجن وحش غادر يسعى نحو محو وتفكيك أجمل ما فينا. كن في قلبي يا طفلي، وزوّدني بالبراءة الأولى والذهول الأول والدهشة الأولى... كن دوماً أول مرة.
يا شتائي الأول في السجن... أستعيدك الآن بكل ما يساورني من دفء، لأمحوك عني بهذه الكلمات. شتائي الأول بلا كلّ شيء سواي، بلا أسرتي... أحبتي... رفاقي... أزقتي... شوارع مدينتي... عثراتي البكر. كنتُ وحدي وصادقتُ وحدي، وقلتُ لي: لن يقدر عليّ سواي، والطريق إلى الحرية طويل وشاق ومخيف. حينذاك هجست وهمست، ثم صرخت: سأقضي عشرين عاماً في السجن... منذ اللحظة الأولى كوّمت سنين عمري التي ستذبل أمامي ورثيتها، وقلت لها سأدفع الثمن مقدماً، لكي أنتهي من عبء التخلص يومياً من لحظات لم أشأ لها أن تكون بلا معنى، بل بكامل الاكتناز والأبهة ولكنني لم أكن مشغولاً بها، تلك اللحظات العبثية والخالية من أبعاد الزمان، إذ ليس ثمة ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل للأسير المحكوم بالمؤبد والموعود دوماً بالأمل والحرية، حكم المؤبد هو أن تعيش اللحظة بكل كثافتها وتركيزها، مع امتلاك القدرة في نفس الوقت على الانفصال عنها في لحظة أخرى.
ابتسامة قهرت السجان ومنحت أمي شيئاً من الطمأنينة
في خضم اكتشافي لمعنى الزمن في السجن، في شتائي الأول، تلقيت خبر نجاح أسرتي في نيل تصريح أمني لزيارتي في سجن "هدريم" لأكتشف مصطلحاً جديداً من مصطلحات الحركة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاستعمار الصهيوني، ألا وهو "زيارة أهل". وللزيارة طقوسها ومحدداتها، وزيارتي الأولى كانت هي السر، وهي الدافع الذي قذفني إلى أعالي السماء؛ سماء من الأمل والكلمات.
في الزيارة الأولى، اقتصر التصريح الممنوح لأسرتي على أمي فقط، ولم يتمكن أبي حينذاك من نيله، لأن إجراءات مسحه الأمني والعبث بقلبه وعقله لم تنته بعد. يا بشرى من انبعث من الجب. أنا أمام أمّي في ذلك الشتاء الأول... وما إن اقتربَت ورأيتها من وراء الزجاج الفاصل الذي يعزل الإنسانية عن الإنسانية، حتى وضعتُ كفّي على الزجاج بكل ما أوتيت من تماسك ورباطة جأش، لأرسم تلك الابتسامة التي قهرت السجان، ومنحت أمي شيئاً من الطمأنينة، أمي التي جلست قبالتي، وبكت بحرقة... ثم رفعت رأسها وابتسمت بتهالك، وأخذت تبحث عن طفلها وولدها ورجلها، وأنا المسحوق... بلى، ها أنا أقولها الآن كم كانت تلك الزيارة الأولى عصيبة ومؤلمة، وكم كان علي أن أصبح ممثلاً بارعاً لإقناع أمي بأنني قادر، وعلى ثقة وأمل بأن السجن لن يطول وحكم المؤبد المظلم والظالم سينجلي يوماً.
تحدثنا أنا وأمي ما بين بحة حزن ودمعة لوعة، إلى أن شارفت الزيارة على الانتهاء. حينها سألتني إذا ما كان لدي ما يكفي من ملابس تقيني من البرد وصقيع الزنزانة، فأجبتها بنعم. وقلت لها لا تقلقي، بإمكانك أن تجلبي لي ملابس أخرى في الشتاء القادم. رفعت رأسها فجأة، وحدّقت بي للحظات مزدحمة بالذهول والحسرة، ثم سألتني باستنكار بريء للغاية: وهل ستظل قابعاً في السجن حتى العام القادم؟ لم أجب، فهي لم تكن في تلك اللحظة الأمومية تعلم أنني سأقضي أكثر من عشرين شتاءً، منذ ذلك الشتاء الأول، في السجن.