الست تحت المجهر: ماذا نريد من أم كلثوم اليوم؟

24 يناير 2026   |  آخر تحديث: 07:06 (توقيت القدس)
مقهى أم كلثوم في بغداد، 27 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت أم كلثوم تحولاً في النظرة إليها، حيث أصبحت تُدرس كظاهرة سياسية وجندرية ولغوية، مما يعكس رغبة في فهم أعمق لدورها وتأثيرها بعيداً عن الاحتفاء التقليدي.
- تُستدعى أم كلثوم كنموذج للاستمرارية وسط التفكك الثقافي والسياسي، حيث تُعتبر رمزاً ثقافياً وسياسياً يعيد التفكير في دور الثقافة في بناء الهوية.
- لعبت الوسائط الحديثة دوراً في إعادة إحياء أم كلثوم، مما جعل أرشيفها جذاباً للأجيال الجديدة وفتح نقاشات حول الفن والسلطة والنجومية.

ليس اللافت في المشهد الثقافي العربي اليوم أن يعود اسم أم كلثوم إلى واجهة الاهتمام، بل كيفية عودته. فالتراكم المثير للكتب الصادرة عنها خلال أقل من عقد، ومعظمها في السنوات الخمس الأخيرة، لا يشير إلى حنين بريء ولا إلى رغبة في إعادة تمجيد "الست"، بقدر ما يكشف عن تحوّل عميق في زاوية النظر إليها. نحن أمام انتقال واضح: من كتابة سِيَر تحتفي بالصوت والنجومية، إلى نصوص تحليلية تقارب أم كلثوم بوصفها ظاهرة سياسية، وجندرية، ولغوية، وعابرة للحدود.

العودة الكثيفة إلى أم كلثوم في هذا التوقيت ليست مصادفة، بل تبدو نتيجة تراكب عدة طبقات ثقافية وسياسية وإعلامية في آن واحد. ويمكن تلخيصها في نقاط مترابطة.

فهي حنين يشكل آلية دفاع ثقافي، إنها تُستدعى من خلال اعتبارها علامة على زمن مكتمل أو صوتاً يرمز إلى لحظة كانت فيها الثقافة قادرة على إنتاج إجماع عاطفي وجمالي. الموضوع هنا ليس مجرد استذكار فني، بل بحث عن معنى، وعن نموذج للاستمرارية وسط التفكك في العالم العربي، الذي يعيش شعوراً عاماً بالفقدان والانكسار.

أم كلثوم في هذه الموجة ليست أيقونة مكتملة بل مختبر نقدي 

كما أن الفراغ في الحاضر الغنائي، والعجز عن إنتاج ظواهر فنية جامعة بذات العمق والامتداد، ربما يكون حاسماً، فعندما يغيب "الحدث الفني الكبير"، يعود النقاد والجمهور إلى الأرشيف، لا باعتباره ماضياً، بل بوصفه بديلاً عن حاضر هش. 
وبالإضافة إلى تحوّل أم كلثوم إلى رمز عابر للفن، فإنها لا تُستدعى باعتبارها مطربة، بل لكونها ظاهرة ثقافية وسياسية، عبر التدقيق في علاقتها بالدولة، بالإذاعة، بالجمهور، بفكرة "الأمة" نفسها. وفي لحظة يُعاد فيها التفكير بدور الثقافة في بناء الهوية، تصبح سيرتها مادة خصبة لإعادة القراءة. وفي زمن الاستقطاب الحاد، تمثل أم كلثوم مساحة شبه وحيدة يمكن أن يلتقي حولها المختلفون. إنها نقطة إجماع نادرة هذا يمنحها قيمة رمزية إضافية.

كما يجب ألا ينسى المُتابع أن الأدوات التقنية الفاعلة حالياً ولا سيما المنصات التفاعلية أعادت تدوير أرشيفها بصورة جذابة للأجيال الجديدة، من خلال الحفلات المُرمَّمة، والمقاطع القصيرة، والمقارنات، والتحليلات. كل هذا يعيد إنتاج الاهتمام بها خارج سياقه التاريخي الأصلي، ويمنحها حياة ثانية داخل مساحة الانتباه والتركيز.

وبالتوازي مع هذا التفاعل الرقمي فإن العودة هذه تقترن بظهور إنتاجات معاصرة ثقافية وفنية، فمع كل عمل جديد عن أم كلثوم (من الكتب إلى الأفلام الوثائقية والمسلسل الدرامي والفيلم الروائي) يُفتح نقاش يتجاوزها: عن علاقة الفن بالسلطة، وعن المرأة في المجال العام، وعن معنى "النجومية" قبل السوق النيوليبرالية. هذه النتاجات تصبح ذريعة فكرية للنقاش أكثر مما هي موضوع مغلق.

كتاب "أم كلثوم: سيرة الحب" لمحمد عوض (2016) يمكن اعتباره نموذجاً لما يمكن تسميته “الكتابة التقليدية”: فهنا ثمة سيرة وجدانية وعاطفية، تبنى على صورتها في عيون وكتابات من عاصروها من المبدعين والمثقفين. 

أما "5 شارع أبو الفدا" لفكري صالح (2020)، فينتمي إلى كتابة الشهادات والذكريات. أحاديث نادرة، تفاصيل يومية، ما يُقال خارج التسجيل الرسمي. هذا النوع من الكتب لا يصنع أطروحة، لكنه يقدّم مادة خاما ثمينة لفهم الحياة اليومية للأسطورة.
في المقابل، يأتي كتاب "أم كلثوم من الميلاد إلى الأسطورة" لحسن عبد الموجود (2025) ليقدّم سيرة أكثر بحثاً في التفاصيل، من خلال الإمكانات القصوى في النوع السردي. والتشويق في أولها، حيث تتراكم الأدوات في عملية تصنيع تدريجية للأسطورة: قرارات، تحالفات، مؤسسات، وإذاعة، دولة. 

وفي كتابه "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي" (2022)، يذهب كريم جمال إلى قلب العلاقة بين الفن والدولة، متوقفاً عند مرحلة ما بعد هزيمة 1967. لا يقدّم كوكب الشرق أداةً دعائية ساذجة، ولا فنانةً "مستقلة" عن السياق، بل بما هي صوت جرى إدماجه في اقتصاد رمزي وطني: حفلات مخصّصة للتبرع، أغنيات مشحونة بلغة الصمود، حضور محسوب بدقة. هنا تتحوّل أم كلثوم من مطربة إلى مؤسسة معنوية.

أما محمد الباز في "لعنة الست: أم كلثوم.. وجوه أخرى" (2026) فإنه يذهب إلى منطقة أكثر اشتباكاً. الكتاب ينتمي إلى تيار صحافي–ثقافي لا يخفي رغبته في كسر الهالة. فهو لا يركّز على الأغنية، بل على ما خلّفته الأسطورة في محيطها: علاقات قوة، خوف، صراعات مكتومة، وكلفة إنسانية لنجومية مطلقة. الست في المحصلة ليست رمزاً محصّناً ضد السؤال. كما أن عظمتها نفسها كان لها ثمن.

المساهمون