الرواية الأفريقية الجديدة.. حضورٌ في دوائر النقد والجوائز

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:21 (توقيت القدس)
الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي في منتدى هومبولت ببرلين، 19 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الرواية الأفريقية تحولاً من التركيز على الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار إلى "الرواية الجديدة" التي تمزج بين الواقع والفانتازيا والتاريخ، مع الحفاظ على الهوية الثقافية.
- ساهمت حركة الترجمة في انتشار الرواية الأفريقية عالمياً، مما زاد من اهتمام النقاد والقراء بها، وأتاح لها حضوراً قوياً في الجوائز الأدبية الدولية.
- برزت أصوات روائية جديدة في أفريقيا تقدم تجارب سردية مبتكرة تتناول قضايا اجتماعية وسياسية معقدة بأساليب تجمع بين الواقعية والفانتازيا.

بدأت الأصوات الروائية الأفريقية، في الآونة الأخيرة، تعبر عن توترات سردية تختلف تمام الاختلاف عن المرحلة التأسيسية التي مثّلها النيجري الحائز نوبل الآداب وول سوينكا، وبيتر أبراهامز من جنوب إفريقيا، وتشينوا أتشيبي من نيجيريا، ونغوغي واثيونغو من كينيا، ونور الدين فرح من الصومال، حيث كانت الكتابة لدى هؤلاء تهدف إلى استعادة الهوية الوطنية والتاريخية ومقاومة الاستعمار بفضح انشغاله بطمس الهويات ونهب الثروات، بينما قامت "الرواية الجديدة" على "خطوط هروب" تدمر البنى السردية السابقة من الداخل، وتتحيز إلى المرونة الأسلوبية والانفتاح على التجريب، والخوض في تجربة الإنسان الأفريقي بكل أبعادها الروحية والرمزية، يمتزج فيها الواقع والفانتازيا والتاريخ والأسطورة في خلطة مدهشة، مع حفاظ دائم على الهوية والارتباط بالموروث الثقافي.

فمع اتساع حركة الترجمة التي شملت الرواية الأفريقية، وظهورها في لغات أوروبية (الفرنسية، الإنكليزية، الإسبانية، البرتغالية) بدأ الاهتمام بها في دوائر النقد وأسواق القراءة عالمياً، كما صار حضورها أكثر كثافة في الجوائز الدولية، مما فتح التواصل بينها وبين القارئ الأوروبي أو الأميركي الذي بدأ ينظر إليها بوصفها تجربة جمالية استثنائية. والأمر نفسه يصدق على الترجمة العربية التي أصبحت، مع مترجمين أمثال (سعدي يوسف، سعيد بنعبد الواحد، مارك جمال، عبد الوهاب أبو زيد، راغدة خوري، فهد الطاسان، عابد إسماعيل، فاطمة ناعوت، أسعد الميري، ريم داوود، بهاء إيعالي، عبير عدلي.. إلخ)، منفذاً حقيقياً لانتشار الأصوات الأفريقية في العالم العربي، وهي ترجمات فتحت للقارئ العربي نافذة على كتابة أفريقية تقوم على التهجين اللغوي والتجريب الأسلوبي واستعادة الإيقاعات الشفهية.

من بين أبرز الأصوات في هذه المرحلة نجد الأنغولي خوسيه إدواردو أغوالوسا، الذي مزج في أعماله، مثل "بائع الماضي" و"نظرية عامة للنسيان" و"الأحياء والآخرون" و"جمعية الحالمين المترددين" و"الكريولية" بين التاريخ السياسي للبرتغال في أنغولا، واللعب السردي والفانتازيا السياسية، مستنداً إلى الموروث الأسطوري والشفهي المحلي. كما يبرز جيرمانو ألميدا (الرأس الأخضر) الذي يوظف اللغة البرتغالية بطريقة خاصة تجعلها أداة سردية مرنة، تجمع بين التجريب الفني والتحليل التاريخي والسياسي، من دون أن تفقد النصوص هويتها الأفريقية، ولا إيقاعاتها الشفهية.

كتابة تقوم على التهجين اللغوي واستعادة الإيقاعات الشفهية

أما الأصوات التي تكتب باللغات المحلية، فهي استمرار للخط التقليدي المتجذر في التراث الشفهي، لكنها تتجاوز حدود التأسيس لتقدم تجارب سردية عميقة ومبتكرة. ذلك أن نغوغي واثيونغو في "الكيكويو"، ودانييل فاجونو في "اليوروبا"، وتوماس موكوبو موفولو في "السوتو"، يمثلون في لغاتهم المحلية هذا التزاوج بين التراث والأسلوب الحديث، في نصوص تتجاوز التوثيق المباشر إلى التأمل الفلسفي والاجتماعي والجمالي، مما يسمح للغة بأن تتحول إلى أداة للفكر والتجريب، لتكون النصوص غنية بالمعنى والجمال، متسقة مع تاريخ الشعوب وتجاربها اليومية.

وإذا اعتمدنا التوزيع الجغرافي للرواية الجديدة، ففي غرب أفريقيا، تتصدر نيجيريا المشهد بوجود تشيماماندا نغوزي أديتشي، التي تستعرض في روايتها "نصف شمس صفراء" الحرب الأهلية في بلادها وما خلفته من آثار نفسية وإنسانية، فتربط بين السياسي والإنساني بأسلوب سردي متقن. كما يحضر بن أوكري في "الطريق الجائع"، إذ يدمج الفانتازيا بالروحانية، ليخلق فضاء سردياً يتنقل فيه الطفل الروحاني (أزارو) بين العالم المادي والعالم الآخر، في صياغة تعكس المفارقة الدامغة في أفريقيا بين المادي والروحي.

بالانتقال إلى الكونغو، يبرز آلان مابانكو في "مذكرات شيهم" أو "زجاج مكسور" أو "اللقالق لا تموت"، حيث يمزج العجائبي بالسخرية والتهكم، كما يستخدم عالم الحيوان لمقاربة عالم البشر الذي يتفشى فيه الفساد والظلم، مما يعكس التجريب السردي وقدرة الرواية على نقل رسائل سياسية واجتماعية بأسلوب مبتكر.

من زيمبابوي، تكتب تسيتسي دانغاريمبغا روايات تخترق حقبتي الاستعمار والاستقلال، كما نجد في "أحوال عصيبة" إذ تسرد سيرة الطفلة (تامبو)، مع التركيز على وضع المرأة والتحولات الاجتماعية والسياسية، وتوظيف الأسلوب الواقعي لإبراز الصراعات الفردية والجماعية في المجتمع.

وفي الكونغو الديمقراطية، يمثل فيستون موانزا موجيلا صوتاً جديداً عبر روايته "ترام 83" التي تلتقط تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة القهر الاجتماعي والسلطة الفاسدة، مستخدمة أسلوباً تهجينياً يمزج بين الواقعي والفانتازيا، حيث يلتقي المضربون والحفارون الباحثون عن المتعة، والأزواج المخدوعون، والسياح الأثرياء، والخادمات واللقطاء المتسكعون، في العلبة الليلية، في خليط هائج يعيش على الكذب ترقباً لتمرد وشيك.

في شرق أفريقيا، يبرز الكيني بيتر كيماني، سواء في "في العراء" أم في "رقصة الجاكاراندا" التي تجمع بين الموروث المحلي واللغة الإنكليزية "المؤفرقة"، ليعالج موضوعات مثل الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية، بينما يواصل ديناو منغستو في إثيوبيا، من خلال روايته "كل الأسماء" معالجة الهجرة وصراعات الأجيال ضمن إطار سردي يمزج بين السخرية والواقعية والفانتازيا، متناولاً الحياة اليومية للمهاجرين وتأثيراتها النفسية والاجتماعية.

تجارب تتحيّز إلى المرونة الأسلوبية والانفتاح على التجريب

وفي إثيوبيا أيضاً، تعكس مازا منغستي روايتها "ملك الظل" الحرب الإيطالية-الإثيوبية الثانية، متتبعة قصة امرأة تتحول من خادمة إلى محاربة، في كتابة تاريخية متحركة بأسلوب سردي يجمع بين الواقعي والفانتازي والملحمي. كما تقدم في روايتها "تحت نظرة الأسد المحدقة" قصة نضال في صفوف جماعة مقاومة سرية تحاول التصدي للطغمة العسكرية الحاكمة التي تدعى باسم "الدرج"، والتي تسيطر على مقاليد الحكم في إثيوبيا.

ومن السنغال، يبرز بوبكر بوريس ديوب، الفائز بجائزة "نيوشتادت" الأدبية الرفيعة، في رواية "مورامبي، كتاب العظام"، حيث يوثق مجزرة رواندا بطريقة سردية مدهشة تجمع بين الواقع التاريخي والبحث في النفس الإنسانية، وهي السمة التي تطبع أعماله منذ روايته الأولى "زمن التانغو"، مروراً بـ "الفارس وظله" و"دومي جولو" و"طبول الذاكرة" و"آثار العبوة" بينما يقدم محمد مبوغار سار في روايتيه "سقوط الجوقة" و"أكثر ذكريات الرجال سرية" (الفائزة بالغونكور) لعبة سردية مزدوجة تمزج بين سيرة الكاتب الحقيقي والفعل الإبداعي، لتكشف عن مستويات متعددة من الهوية والذاكرة.

المساهمون