الروائي الجزائري سمير قسيمي و"الكهل الذي نسي" تاريخ بلاده

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:33 (توقيت القدس)
غلاف الرواية

يعاني كاتبٌ عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى "دائرة الكُتّاب المجهولين"، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم، كما تقدمه رواية "الكهل الذي نسي" (دار نوفل – هاشيت أنطوان، بيروت، 2026)، التي يتشكل النسيان فيها مدخلاً عميقاً لفهم الكينونة البشرية وتاريخها وعلاقة الذات بذاكرتها.

تدور الرواية حول شخصية "الكهل"، رجل خمسيني يقيم في مصحة، لا يحمل اسماً بل رقماً: 362/ج. يبدو الرجل فاقداً لذاكرته، محاصراً بأسئلة لا تقل غموضاً عن المكان الذي يوجد فيه، يواجه طبيباً عسكرياً، بينما تراقبه سلطة غامضة.

يتداخل مسار الكهل والكاتب سمير، وتتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، إذ يتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته، قبل أن تنتقل الرواية إلى فترة الجزائر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث يعاد تشكيل الذاكرة عبر طفولة سمير واختفاء والده خلال أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988؛ الاحتجاجات التي اندلعت في أكثر من ولاية وقُتل فيها العشرات عقب تدخل الجيش لقمعها، في محاولة لإعادة سرد تاريخ شخصي يتداخل مع التحوّلات العنيفة التي شهدها المجتمع الجزائري.

يتشكل النسيان فيها مدخلاً عميقاً لفهم الكينونة البشرية

منذ الصفحات الأولى يطرح النص سؤالاً يبدو عابراً: هل يأتي الإنسان أولاً أم اسمه؟ لكن هذا السؤال يتسع تدريجياً ليصبح تأملاً في معنى الهوية نفسها. فالاسم من خلال السؤال الطفولي ليس علامة تعريف وإنما ذاكرة كاملة، وإذا ضاع الاسم ضاع التاريخ الشخصي، وأصبح الإنسان عرضة لأن يكتب الآخرون حكايته نيابة عنه.

يعتمد الكاتب بناءً سردياً متشعباً تتداخل فيه الحكايات الثلاث داخل العمل، فإلى جانب حكاية الكهـل فاقد الذاكرة، يتابع القارئ مسار كاتب يعاني العجز الإبداعي قبل أن يجد نفسه داخل فضاء غامض يسمى "دائرة الكتّاب المجهولين"، بينما تنفتح الرواية في مستوى ثالث على تاريخ جزائري مثقل بالغياب في محاولة لاستعادة أسماء وأصوات طُمست من الذاكرة الرسمية، خصوصا الربيع الأمازيغي من خلال خديجة الطالبة السمراء من أصول صحراوية، ابنةُ المناضل في الحركةِ الأمازيغية. 

اعتمدت الرواية على تعدد الأصوات السردية؛ إذ يسيطر صوت البطل في البداية، قبل أن ينتقل خيط السرد إلى الطبيب، فتتغير الرؤية وتتبدل الحقائق التي كانت تبدو قطعية، ليغدو لكل راوٍ حقيقته التي يحاول إقناع القارئ بها. وفي إطار هذا التعدد وهذه اللعبة السردية تبرز شخصية عبد الله طرشي نموذجاً للشخصية الرمزية التي وظّفها الكاتب لبث الدلالات الفكرية والنقدية وتعميق أبعاد النص ودفع العجلة السردية للأحداث، شخصية يلفها الغموض فهو ليس راوي حكايات للأطفال، إنه أكبر من ذلك حيث إنه تجسيد لفكرة النسيان نفسها يمنح الآخرين راحة النسيان، لكنه يسلبهم شيئاً من براءتهم وذكرياتهم كما وصفه الكهل الذي نسي اسمه. 

يظهر عبد الله في البداية صديقاً مقرّباً للكهل الذي سرعان ما ينسبُ الاسمَ لنفسهِ، مشيراً إلى تشابه الأصوات بينهما لدرجة أنّه صار يسمعُ أفكارهُ تقالُ على لسانه: "كل حكايةٍ أرويها تختفي من ذاكرتي لتصبح حكايته".

لا يلهث قسمي وراء الإيقاع السريع أو المفاجآت المجانية، على العكس من ذلك يمنح الجملة الزمن الكافي لتكشف أبعادها الفكرية، لذلك تبدو الرواية أقرب إلى نص يدعو قارئه إلى المشاركة في التفكير داخل عملية القراءة نفسها بدل استهلاك حكاية جاهزة.

وينشغل الكاتب في هذا النص بما وراء الكتابة، إذ إنها ليست وسيلة لنقل الحكاية، بل هي الموضوع ذاته الذي يجعل القارئ شريكاً منكبّاً في اكتشاف هشاشة الحقيقة وفي إعادة ترتيب الوقائع المتناثرة. هذه النزعة الميتاسردية تمنح العمل بعداً نقدياً، لكنها في الوقت نفسه تجعل القراءة أكثر تطلباً.

* كاتب جزائري