استمع إلى الملخص
- زياد الرحباني لم يكن مغنياً تقليدياً، بل قدم أغاني ومسرحيات تسخر من الفولكلور وتنتقد الواقع اليومي والسياسي، مبتكراً نوعاً جديداً من الأغنية العربية.
- مسرح زياد الرحباني يعكس رؤية ساخرة وناقدة للواقع، حيث يسخر من الحياة اليومية والسياسة اللبنانية، مما يجعله أحد أهم الكوميديين العرب.
وفاة زياد الرحباني خبر صاعق، بل أشد وقعاً على اللبنانيين من كوارثهم السياسية والاقتصادية. إنه في الواقع مقابلٌ لتلك المحن، بل هو في لبنان، الذي يعاني ضنكاً ومخاطر ومخاوف، من كل نوع، وقد يكون اليوم موازياً للانهيار. كان زياد شبه ساكت من زمان، وما خُيِّل إلى أحد أن هذا الغياب والتواري، يهيئان لأمر جلل كهذا الذي لم يُنتظر كثيراً حتى صار. رحيله أضاف إلى العائلة التاريخية الشامخة مزيداً من التهافت بحيث تغدو بحق، في سيرتها، أكثر مأساوية من بلدها. نحن الآن أمام الأم الكبيرة، أم اللبنانيين ونجمتهم الأولى، تواجه في التسعين خسائر بلا مقدار، مرضى وذوي إعاقة وموتى. العائلة هي الآن ليست أكثر من حطام، إنها مجد مكلوم، وعظمة زائلة، وزواج الموهبة والفناء، والفن والفاجعة، والكثير من الجمال مع الكثير من المحنة.
زياد بقي إلى أن رحل مدلَّل اللبنانيين. يفهم الجميع أن من كان أبواه عاصي وفيروز، لا يستكثر عليه أن يكون بهذه الموهبة، وبمثل تلك الطاقة. لكن زياد لم يكن مجرد وريث، لم يكن ابناً ناجحاً فقط، كان بالتأكيد أكثر بكثير من ذلك. كان مجدداً، ليس للفن العربي بجملته فقط، على غرار أبويه، بل كان أكبر من أن يكتفي بإرثه، أكبر من أن يكون وارثاً، من أن يكون ابن الكبيرَين فقط.
يمكن أن نقول بدون غضاضة إن أولى معارك زياد كانت مع والديه، كان مع الفن الذي أسّساه قمةً في الفن العربي، بل كان القمة التي لا يكفي أن نرثها، أن نقف عندها، بل لا حاجة إلى أن نكررها أو نجري على غيارها. لقد أوجدا تجربة كاملة، تجربة منتظمة من أطرافها كلها، ذات دنيا ورؤيا، وعالماً قائماً بذاته. الشعر والموسيقى والغناء، للثلاثة المسار والمدى والرؤيا ذاتها. يمكن القول إن عالماً من الحنين، من اليوميات المختلجة، من الذكريات المتداعية، من الطبيعة والإنسان، عالماً كهذا كانت له أغنيته الخاصة لدى الرحابنة، أغنية عامرة بالتفاصيل والإيقاعات والوعود. لقد صنع الرحابنة هذا العالم الذي يتنفس وينبض بالحب، كان على زياد أن يبدأ من هنا، مثل أبيه صُنع الشعر والموسيقى، بل تجاوزهما بالمسرح الذي ألّفه وأخرجه، لكن المهم أكثر أنه مثله بطاقة عالية، هكذا نفهم أن زياد أضاف إلى التجربة الرحبانية عنصراً جديداً، لم يكن الرحبانيان الأوليان بعيدين عن المسرح، ألفا فيه وأخرجا، لكن ذلك كان موصولاً بالغناء، أرادا أن يؤلفا أوبرا عربية فكان أن صنعا لفيروز أوبيراتاتها الشهيرة، لكن ما صنعه زياد كان مسرحه هو، كان المسرح.
إنه لا يهرج وهو أبعد ما يكون عن كوميديا الحركة
نبدأ من أشعار زياد التي غناها هو وسواه، هذه الأشعار غيرها عند الرحابنة، لم يكن زياد مغني طبيعة، ولا مداحاً للحب ولا مستدعي ذكريات فقط ولا مغنياً فقط، لقد بدأ تماماً من العكس، بدأ من التهافت اليومي، بل من الخسارة المطلقة، من انقلاب الأمور ومن سقوطها، ومن لا جدواها، من وجهها السخيف، مما هي عليه من تهريج ومن انتكاس باعث على الضحك؟ من العبث واللامعنى. ذلك يعني أن زياد انقلب، بلا اكتراث ولا دراماتيكية على الإرث الرحباني، بل صنع مقابله ما يمكن اعتباره ضده، بل يمكن اعتباره ضحكاً عليه وسخرية منه، هكذا بالطبع لم يكتف زياد من الانقلاب على والديه، بل صنع في الأغنية العربية جديداً، بل ألّف أغنية أخرى.
إذا عدنا إلى المسرح فسنقف طويلاً عند النصوص التي هي أيضاً مسرح مضاد للمسرح الرحباني، مسرح زياد ليس الفولكلور، إنه مضاد للفولكلور، بل هو تنكيت على الفولكلور، سخرية من أشكاله ودعاويه وأمثاله وأحلامه، مسرح زياد الرحباني كوميدي بالطبع لكن مواضيعه، تكاد تكون سخرية أو تهريجاً من الحياة اليومية، والواقع اليومي، والسياسة، والواقع العادي ففي "بالنسبة لبكرة شو؟" و"فيلم أميركي طويل"، نحن أمام حياة كل يوم لكن مرئية بضحكة، بسخرية عالية، لا يقلل من ذلك أنها أحياناً صامتة، كأنما صمتها جزء من سخريتها.
إن عبث الحياة يبدو هكذا في خفائه، يبدو هكذا سخفها، السياسة هي مدار هذا السخف ومسرحه، الحرب الأهلية اللبنانية تبدو مصداقاً للتفاهة اللبنانية. مسرح زياد الرحباني يعيد المسرح الرحباني لكن بصيغة أخرى، بصيغة مضادة. أما المهم في هذا المسرح فهو زياد نفسه، إنه لا يهرج وهو أبعد ما يكون عن كوميديا الحركة، لا يذكّر بعادل إمام أو إسماعيل ياسين. إنه تماماً عكسهم، قد يذكر على العكس من ذلك بوودي ألن، هنا أسمح لنفسي بالقول إنه قد يكون أهم كوميدي عربي.
* شاعر وروائي من لبنان