"الرجل الرفيع بالقميص الأبيض" لـ ممدوح عزام: حياة شعب بين الخوف والاختطاف

08 مارس 2025   |  آخر تحديث: 08:06 (توقيت القدس)
أمام رواية سيناريوهات واحتمالاتٍ متعدِّدة
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعتقد ممدوح عزام أن روايات الحرب لا تُكتب في زمن الحرب، مشيراً إلى أن الروايات السورية بعد 2011 لم تقدم فهماً عميقاً للثورة والحرب، حيث توفر المقاربة من بعيد رؤية أشمل.
- في "الرجل الرفيع بالقميص الأبيض"، يستعرض عزام تأثير الثورة والحرب على مدينة السويداء من خلال شخصية شاكر الصافي، مسلطاً الضوء على الخوف الاجتماعي والسياسي وتأثيره على الأفراد.
- تتناول الرواية سيناريوهات اختطاف شاكر، مما يكشف التناقضات بين الأصدقاء والعائلة، ويستخدم عزام السرد المزدوج لتعقيد الواقع السوري.

في مقابلاته المصوَّرة أو الإذاعيَّة القليلة، وفي مقالاته الصحافيَّة الأسبوعيَّة المكتوبة على مدى سنوات، يُركِّز الروائي السوري ممدوح عزَّام (1950) على فكرةٍ هامَّة، تظلُّ تُثير الجدل بين قِلَّةٍ مؤيِّدة ومتفهِّمة، وكَثرةٍ مُعارِضة ومتسائلة، فحواها أنَّ رواية الحرب لا تُكتَب في زمن الحرب. يستشهد صاحب "قصر المطر" في صحَّة قوله بأعظم الروايات العالمية، وفي طليعتها "الحرب والسلم" لتولستوي، التي كُتِبَت بعد عقودٍ من انتهاء الحرب التي تناولت أحداثها المباشرة وتداعياتها غير المباشرة.

يمكننا فهم وجهة نظر عزَّام بالاطلاع على الروايات السورية المكتوبة بعد عام 2011، التي تناولت أحداث الثورة التي اندلعت في تلك السنة، والحرب التي نشبت في أعقابها، إذ لا يمكن العثور على "أثر" أدبي يمكن أن نرجع إليه اليوم، بعد أن انتهت تلك الثورة وتلك الحرب بسقوط النظام أواخر العام الفائت، لنقف على ما لا يمكننا أن نجده في اليوتيوب أو أرشيفات الصحف عن السنوات الأربع عشرة الماضية. ولهذا، من وجهة النظر الأخرى التي يُمثِّلها ممدوح عزَّام، نجد أن مقاربته لمجريات أحداث تلك السنوات هي مقاربة الواقف في البعيد من أجل الحصول على الرؤية الأشمل، المتقدِّم نحو مركز الأحداث، لا القابع فيه بما يعوق رؤيته الواضحة، وقدرة القارئ بالتالي على فهم الأسباب قبل الانخراط في النتائج التي يعيشها أو يتابعها.

تتابع تأثير الثورة على حياة البشر في مدينة السويداء

بعد "أرواح صخرات العسل" (2018)، التي أخذت وقتها قبل أن تُكتب أوَّلاً، وقبل أن تصل ثانياً في سير أحداثها إلى أعوام الحرب وتأثيرها في مصير وحياة ثلاثةٍ من أصدقاء الطفولة، صدرت للكاتب السوري عن دار "ممدوح عدوان" رواية "الرجل الرفيع بالقميص الأبيض"، التي تتابع تأثير المواقف من الثورة والحرب على حياة البشر في مدينة السويداء جنوبي البلاد، التي لم تشهد سوى مواجهات عسكرية محدودة في محيطها، في "اللجاة" تحديداً، التي شكَّلت لافاتها البركانية وصخورها القاتمة فضاءً مكانياً أثيراً للكاتب، إلى جانب العديد من التداعيات السياسية والاجتماعية، والتظاهرات السلميَّة التي استمرَّت حتى سقوط النظام.

يختار عزَّام لروايته هذه بطلاً هامشيَّاً، بطلاً من دون بطولات، أقرب إلى أن يكون ظلَّاً محتجباً وراء ستارة أكثر ممَّا هو رجلٌ يعيش تحت الشمس. الوصف الشكلي لهذه الشخصية التي يمكن بسهولة ألَّا تُرى، لا اسمها، وهو اسمٌ مستعارٌ بالمناسبة، هو ما يمنح الرواية عنوانها. 

يَنظُمُ الخوف حياة شاكر الصافي منذ طفولته، فهو ابن خليل الصافي، الرجل الجبَّار مرهوب الجانب، الذي يرمي مهابته على أفراد أسرته أولاً، قبل أن يفرضها على من هم خارج البيت. ينمو الخوف مع شاكر مترافقاً مع نموِّه؛ فإلى جانب خوفه من أبيه ومن حكايات الجدات عن الوحوش والضباع، يخاف من أن تهجر أمُّه التي يحبُّها البيت بسبب عدم قدرته على إيقاف تبوُّله الليلي في فراشه، الناجم بدوره عن الخوف من النهوض من الفراش والدخول إلى الحمَّام.

ممدوح عزام - القسم الثقافي
ممدوح عزام في حديث الألف (حسين بيضون/ العربي الجديد)

وبالإضافة إلى الخوف البيتيّ، هناك الخوف المدرسيّ؛ فشاكر يخاف من أن يرسب في صفوفه بسبب عقاب المعلمين وعقاب الأب، كما أنَّ النظام العسكري الذي كان معتمداً حينها في المدارس السورية كلّها يُخيفه، وهو النظام الذي أرسى نظامَ حياة أمنيا ورقابيّا كاملا خارج المدرسة وبعدها، كان يعني من ضمن ما يعنيه أنَّ "وجود ثلاثة أشخاصٍ أو أكثر يعني مشروع تقرير". وعندما يتزوَّج شقيقه فإنَّه لا يتزوَّج إلَّا من الفتاة التي أبدت إعجابها بشاكر نفسه، من دون أن يبالي هذا الشاب الذي لا يخلو من ملاحةٍ ووسامةٍ بها، بسبب انتمائها إلى عائلةٍ من خرِّيجي السجون الذين تحوَّلوا بعد 2011 إلى مجرمين برُخصة، أي ما يُسمَّى بـ"الشبِّيحة".

مقاربة روائي يقف من بعيد من أجل الحصول على رؤية أشمل

وعندما يُضطرُّ إلى إيجاد مأوى بعد أن طردته من بيت أهله الذي كان يسكنه مع شقيقه، يستأجر غرفةً في بيت عجوزٍ وحيدٍ يحتفظ بتابوته في المضافة! وصولاً إلى تكلُّل خوفه بتعرُّضه للاختطاف من أحد الشوارع في وضح النهار، وهذا ما يُشكِّل المدخل الذي يضعنا عبره الكاتب في مواجهة تداعيات الحرب الحالية، من بوابة التفلُّت الأمني في تلك المنطقة التي كثرت فيها حالات الخطف متعدّدة الأسباب، إمَّا لإجراء تبادلاتٍ مع مخطوفين من عائلاتٍ أخرى، أو لطلب الفدية، أو كعملٍ مستقلٍّ من الأعمال التي أفرزتها الحرب، بهدف بيع المخطوف إلى من يستطيع تحصيل فديته، كما يبدو أنَّه حصل مع شاكر.

وشاكر نفسه لا سبب لجعله ضحية عملية خطف، إذ إنَّ خوَّافاً مثله لم ينخرط يوماً في أيِّ نشاطٍ سياسيّ، ولم يكن طرفاً في مشكلةٍ مع أحد. هكذا يُبلبل خطفه المحيط من حوله، ويُثير الذعر في المدينة بشكلٍ عامّ، لأنَّها أوَّل حالة خطفٍ سُجِّلَت في تلك المنطقة، وبسبب عدم وضوح أسبابها، إلى حدِّ أن بعض معارضي السلطة اعتبروها رسالة ترهيبٍ إلى مَن ثمّة أسبابٌ موجبةٌ لإخفائهم حقّاً، فيما اتَّهمت السلطة فصائل المعارضة باختطاف مواطن مثالي، وموظَّف حكومي منضبط. 

يزعزع اختفاء شاكر الاستقرار والانسجام الظاهريَّين في الحلقة الضيِّقة حوله، فتكثر الأحاديث عن خلافاتٍ متعدِّدة الأسباب، منها ما يتعلَّق بالسياسة والوشايات، التي طوَّرت التناقضات بين الأصدقاء وصولاً إلى افتراقهم، ومنها ما يتعلَّق بالمرأة والحبّ، ومن ذلك التساؤل عن مسؤولية حبيبته سارة البوَّاب في اختطافه، وهي التي أبدت معارضتها العلنيَّة للنظام منذ خروج المظاهرات في درعا، وساهمت في تنظيم مظاهرات السويداء، ومنها ما يتعلَّق كذلك بالمال والإرث، إذ طاولت الإشاعات عن دور لشقيقه سمير في إخفائه بالتعاون مع أهل زوجته، من أجل الاستحواذ على حصَّته في بيت العائلة، بدليل أنَّه رفض الإبلاغ عن اختفائه لدى السلطات.

نحن، منذ البداية، إذاً، أمام رواية سيناريوهات، أمام رواية احتمالاتٍ متعدِّدة، ثمَّة من الوقائع والأقاويل ما يدعم كلَّ احتمالٍ منها. وما يساهم في استمرار الغموض، وعدم ترجيح سيناريو على آخر، اعتماد الكاتب لراويَين مختلفين في السرد؛ شاكر نفسه، الذي أثَّرت أشهر الاختطاف الستَّة المُعتمة على رغبته في الحكي وقدرته على شرح وإيصال القليل الذي سمعه فيما كان معصوب العينين. والراوي الذي يبدو أنَّه كُلِّف بكتابة قصَّة الاختطاف، والذي يُجري نوعاً من التحقيق أو البحث الاستقصائي، الذي يحبُّه عزَّام ويكرِّر اعتماده في رواياته، يقابل خلاله شاكر نفسه، بالإضافة إلى من عرفوه وعاشروه.


* كاتب من سورية

المساهمون