الديكولونيالية في فرنسا.. نظرية مهاجرة أم "شبح" يهدّد قيم الجمهورية؟

01 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 09:09 (توقيت القدس)
باسكال بلانشار، باريس، 2022 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- نشأت الديكولونيالية في أمريكا اللاتينية في التسعينيات كمشروع نقدي لتفكيك الحداثة الغربية وعلاقتها بالاستعمار، وواجهت مقاومة في فرنسا لتهديدها القيم الجمهورية.
- يوضح المؤرخ باسكال بلانشار أن الاستعمار الفرنسي ترك آثارًا عميقة، مما يعقد تجاوز التناقض بين مبادئ الجمهورية وتاريخها الاستعماري، وتتبنى الدولة سياسة النسيان.
- تُعتبر الديكولونيالية تحديًا للنخب الفرنسية، متهمة بتقسيم المجتمع، بينما يراها مؤيدوها فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين السردية القومية وحقائق التاريخ.

صحيح أن الأفكار ترتحل وتهاجر كما يفعل البشر، فهي تسافر محمّلةً، مثلهم، بتاريخها ولغتها وذاكرتها، وتصطدم مثلهم بالحدود وشروط الاستقبال التي تحدّد من هو موضع ترحيب ومن هو محط شكّ وريبة. فالأفكار القادمة من الجنوب العالمي غالباً ما تحتاج، هي أيضاً، إلى ما يشبه "جواز سفر ثقافياً" كي تحظى بالقبول والاعتراف. هذا بالضبط ما يتبادر إلى الذهن عند تأمل عوائق تلقّي الفكر الديكولونيالي في فرنسا.

وُلدت الديكولونيالية في أميركا اللاتينية في تسعينيات القرن الماضي، بوصفها مشروعاً نقدياً يسعى إلى مساءلة الجانب المظلم من الحداثة الغربية وارتباطها العضوي بالرأسمالية والتجربة الاستعمارية التي لم تنتهِ آثارها باستقلال دول الجنوب العالمي، وإلى تفكيك ادعاءات الكونية الأوروبية، وكشف دور العلوم الإنسانية الغربية في ترسيخ رؤية هرمية لشعوب العالم وثقافاته. غير أن هذه النظرية حين "هاجرت" إلى فرنسا، بدت مثل "مهاجر غير شرعي" يثير المخاوف باستدعائه أشباح الماضي وطرحه الأسئلة المقلقة، فباتت موضوع سجال حادّ متعدد الأطراف، تجاوز الأوساط الأكاديمية إلى الإعلام والبرلمان، والأحزاب، فيما لم تعترضها الصعوبات ذاتها في بلدان غربية أُخرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا. فما الذي يفسّر هذا الاستثناء الفرنسي؟ 

كيف للجمهورية أن تكون كونية من دون مراجعة إرثها؟ 

يطرح المؤرّخ باسكال بلانشار، في كتابه المشترك مع بنجامان ستورا: "هل ينبغي أن تعتذر عن الاستعمار" (ديسكليه دو بروير، 2025) ثلاثة أسباب تجعل من الاستعمار "آخر مُحرَّمٍ تاريخيّ في فرنسا" وتفسّر، ربّما، ما تلقاه الدراسات الديكولونيالية من مقاومة: امتداد التجربة الاستعمارية الفرنسية لما يقرب من خمسة قرون خلّفت أعمق الأثر في تكوين المجتمع والدولة الفرنسيين؛ التناقض الذي يصعب تجاوزه بين مبادئ الجمهورية وتاريخها الاستعماري، وذاكرة التجربة التي ظلّت حيّة عند أحفاد المستعمَرين من المهاجرين. ويرى بلانشار أن الدولة الفرنسية قد اتّخذت من النسيان سياسة لطمس هذا التاريخ، خشية تداعياته على الحاضر.

تأسّست الجمهورية الفرنسية على تصوّر تَعدُّ فيه نفسها وريثة للأنوار وقيمها الكونية، ودولةً حملت راية حقوق الإنسان وأعلت قيم المساواة والمواطنة. ولمّا كانت الديكولونيالية تنقض هذه السرديّة مذكّرة بالجانب المعتم من التنوير، ولا تكتفي بإعادة قراءة الماضي، بل تُسائل الامتيازات الغربية التي شُيّدت على أنقاضه، فإنها تنكأ جراحاً لم تلتئم، ما يجعل مسار تصفية استعمار العقل طويلاً وتعترضه ضروب مختلفة من المقاومة، ذلك أنّه "يتطلّب التخلّي عن كثير من الامتيازات، ولا سيما الامتياز المرتبط بكون المرء أبيض"، كما تقول المنظّرة النسوية فرانسواز فيرجس. 

هنا، بالضبط، تكمن حساسية النقاش حول الديكولونيالية في فرنسا، ولهذا لا تُعامل بوصفها نظرية نقدية، بل على أنها "شبح" يهدّد الأمّة الفرنسية التي بنت مشروعها السياسي والرمزي على الكونية، والمساواة، والحياد. فهي حين تُذكّر بأن القيم الكونية المدعاة ليست مطلقة وأنها تشكّلت في سياق عنف استعماريّ، وحين تؤكد أن المعرفة ليست محايدة، بل متموضعة اجتماعياً وتاريخياً، إنّما تطرح السؤال الجذري الذي لا ترغب بعض النخب السياسية والثقافية في مواجهته: كيف يمكن للجمهورية أن تكون كونية من دون أن تُراجع إرثها الاستعماري؟ 

ولعلّ هذا ما يفسّر أن كثيرين، ولا سيما في الأوساط اليمينية، قد رأوا فيها تياراً دخيلاً مُسيّساً، يسعى إلى نقض القيم الجمهورية، وإلى تقسيم المجتمع، بالاستناد إلى مفاهيم تنقصها، وفقاً لهم، الصرامة العلمية مثل "العِرق"، و"الجندر"، و"امتياز الرجل الأبيض"، وإلى ممارسة لا تفصل بين النضال السياسي والبحث العلمي. وهكذا بات هذا التيّار جزءاً من السجالات المحتدمة التي تشهدها فرنسا حول قضايا الهوية والعلمانية والمهاجرين المسلمين، وبلغ الأمر حدّ إنشاء مرصد للديكولونيالية، يضم باحثين وأكاديميين وصحافيين أُسندت إليهم مهمّة رصد "تغلغل الأيديولوجيات الديكولونيالية والهويّاتية في الجامعات الفرنسية ونقدها والتصدي لها".

النسيان بوصفه سياسة لطمس التاريخ وتداعياته على الحاضر

وبات كلّ من يتبنّى أفكارها ومناهجها متّهماً بالإسلامو-يساريّة أو معاداة السامية؛ خصوصاً خلال الحراك الجامعي الفرنسي ضد حرب الإبادة على غزّة. فذهب بيير-أندريه تاغييف، أحد أبرز خصوم الديكولونيالية، وعضو المرصد المذكور- بعد أن اتّهمها في كتابه "الخداع الديكولونيالي: العلم الوهمي والعداء المزيف للعنصرية" (لاوبسرفاتوار، 2020) بأنّها ليست سوى "عنصرية مضادة للبيض"- إلى اختراع مفهوم جديد أسماه "الإسلامو-فلسطينية"، وجعله عنواناً لكتاب يؤكّد فيه أن "أسطرةَ الضحايا الفلسطينين والقضية الفلسطينية بلغة مُحرَّفة تستخدم حقوق الإنسان وترتبط بلا ريب بالدعوات إلى الجهاد".

وتتبدى مواقف "مرصد الديكولونيالية" آليّةَ ضبطٍ للحدود الرمزية والثقافية تذكّر إلى حد بعيد بسياسات ضبط الهجرة. فكما يُفرَز المهاجرون بين "مرغوب فيهم" و"غير مرغوب فيهم"، تُفرَز النظريات أيضاً بين نقد "مشروع" صادر عن تقاليد أوروبية داخلية، وبين "أيديولوجيا" مستوردة من الجنوب أو من الجامعات الأميركية. ولهذا، يشدّد أنصار الديكولونيالية، مثل عالم الاجتماع ستيفان دوفوا، على أن هذا الفكر لا يعادي العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية، لكنّه ينتقد نزعتها المركزية ويدعو إلى إدماج الإنتاجات الفكرية من كل أنحاء العالم، وإلى إعادة النظر في ما يعدّ "حياداً" علمياً مطلقاً، وما هو في الحقيقة إلّا انعكاس دائم لمنظومة تصنيف غربيّة محدّدة. ويذكّر هؤلاء بأن البعد السياسي في دراسات الديكولونيالية ناجم عن طبيعتها التي تتحدّى أسس الهيمنة المعرفية، وتكشف عن الضغوط التاريخية والثقافية التي تفرض رؤية أحادية للعالم وللإنسان.

أما ميشيل فيفيوركا، فينتقد في كتابه "العنصرية، معاداة السامية ومناهضة العنصرية دفاعاً عن البحث العلمي" (لابوات آباندور، 2021) خطاب أعضاء المرصد، من أمثال تاغييف، الذين يفسّرون أيّ اهتمام من الباحثين الآخرين بمفاهيم مثل "العرق"، و"الديكولونيالية"، و"التقاطعية الاجتماعية"، بأنّه تبنٍّ لها، يمثّل تهديداً مباشراً لقيم الجمهورية، لكنّهم في المقابل ينشطون في الدفاع الحصري عن السياسات الإسرائيليّة، متجاهلين سائر أشكال التمييز والعنصرية. وبذلك يغدو تنديدهم بالديكولونيالية مجرد طريقةٍ لغضّ الطرف عن نتائج الاستعمار وآثاره.

وفي مواجهة الحملات المتزايدة ضدّ الديكولونيالية، يصرّ مؤيدوها على أنّها تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على مواجهة ذاتهما. فالسؤال يتعدّى إصدار الأحكام على الديكولونيالية إلى قدرة الفضاء العام الفرنسي على استيعاب نقدها دون تحويله إلى حرب ثقافية، وعلى تحويل النقاش حولها إلى فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين السردية القومية وحقائق التاريخ. وهذا يقتضي أن يكفّ المجتمع عن معاملة الأفكار معاملة الأشباح المخيفة، فالديكولونيالية ليست مهاجراً يسعى إلى الاندماج بشروط النظام القائم، وما تطرحه من أسئلة لا يخص فرنسا وحدها، بل يتوجه إلى كلّ مجتمع يعيش التناقض بين قيمه المعلنة وتاريخه الحقيقي.