الحياة مع الظل: أوتو رانك يفكّك لغز "النظير" في الأدب والفن
- يناقش رانك روايات مثل "دكتور جيكل والسيد هايد" و"صورة دوريان غراي" لتوضيح النظير كصراع داخلي، حيث يظهر الانقسام النفسي والأخلاقي داخل الشخصيات، مما يعكس أسطورة نرسيس.
- يقدم رانك دراسة عن شخصية دون جوان، مشيرًا إلى الانقسام بينه وبين خادمه ليبوريليو كنموذج للازدواج، ويختلف عن التفسير الفرويدي، معتبرًا أن الشخصية تعكس الخوف من الموت والسعي وراء اللذة.
في كتابه "الحياة مع الظلّ: دون جوان والنظير" (ترجمة عن الفرنسية: نزار شقرون، دار قنطرة، الدوحة، 2026)، يقودنا المحلل النفسي النمساوي أوتو رانك إلى واحدة من أكثر الصور حضوراً وغموضاً في تاريخ الأدب والفن: صورة الإنسان الذي يلتقي نسخةً أخرى منه. فالنظير عند رانك مفهوم عميق يكشف علاقة الفرد بذاته، وبالرغبات التي يخفيها، وبالخوف القديم من الموت والفناء، وليس شخصية هامشية تظهر في الحكايات الغريبة. ومن خلال قراءته للأدب والأساطير، يحاول رانك فهم السبب الذي جعل صورة الظلّ، والانعكاس، والتوءم، والنظير، تتكرّر في المخيال الإنساني عبر العصور.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
ينطلق رانك من فيلم بعنوان "طالب براغ" (1913)، الذي شكّل نقطة البداية لبحثه الأوّلي حول النظير (نُشر عام 1914). يقدم الفيلم حكاية طالب يتخلى عن صورته المنعكسة في المرآة مقابل الحصول على المال، ثم يكتشف أن هذه الصورة أصبحت كياناً مستقلاً يتحرك خارج إرادته. ويربط رانك هذه الفكرة بجذور قديمة في الأساطير والمعتقدات الشعبية، حيث ارتبط الظل والانعكاس بفكرة الروح واستمرار الحياة بعد الموت. فالإنسان البدائي كان يرى في وجود صورة أخرى له احتمالاً للخلود، وكأن الذات تستطيع أن تمتد خارج حدود الجسد. لكن هذا المعنى سرعان ما انقلب في الأدب إلى مصدر للرعب، لأن النظير أصبح يحمل الوجه الآخر للفناء. فالنسخة الثانية من الإنسان لا تمنحه الطمأنينة دائماً، وإنما تذكّره بما يحاول نسيانه: هشاشته وحدود وجوده.
رأى أنّ النسخة الثانية لا تمنحنا الطمأنينة بل تذكّر بهشاشتنا
ومن النماذج الأدبية التي يتوقف عندها رانك رواية "دكتور جيكل والسيد هايد" للكاتب روبرت لويس ستيفنسون. هنا يظهر النظير في صورة انقسام أخلاقي ونفسي داخل الشخصية الواحدة. يحاول الدكتور جيكل فصل رغباته المكبوتة عن صورته الاجتماعية المحترمة، فينتج عنه السيد هايد، الشخصية التي تمنح تلك الرغبات حرية الظهور. غير أن هايد لا يبقى تحت سيطرة خالقه، بل يبدأ بالسيطرة عليه تدريجياً. تتحول التجربة من محاولة لفهم الذات إلى صراع بين جانبين لا يستطيع أحدهما إلغاء الآخر.
كما يستند رانك إلى رواية أوسكار وايلد "صورة دوريان غراي"، حيث تصبح اللوحة التي تحمل صورة البطل شاهداً على حياته الداخلية. يحتفظ دوريان بمظهر الشباب والجمال، بينما تتغير صورته المرسومة لتكشف آثار أفعاله وانحرافاته. اللوحة هنا تحمل الحقيقة التي يخفيها صاحبها عن العالم، فتتحول إلى خصم يلاحقه ويهدّد الصورة المثالية التي صنعها لنفسه. ويجد رانك في شخصية دوريان امتداداً لأسطورة نرسيس، الذي وقع في أسر صورته المنعكسة ولم يعد قادراً على تجاوز الانبهار بذاته.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
أما شخصية دون جوان، التي نُشرت دراسة رانك عنها عام 1922، فتقدم نموذجاً آخر لفكرة الازدواج، ينتقل فيها رانك من انقسام الفرد داخل نفسه إلى الانقسام بين شخصيتين مرتبطتين. ففي أوبرا موزارت "دون جيوفاني"، يولي اهتماماً خاصاً بالعلاقة بين دون جوان وخادمه ليبوريليو. فليبوريليو يؤدي وظيفة تتعدّى دور الخادم التقليدي، إنه الصوت الذي يراقب سيده وينتقده ويسخر من اندفاعاته. ومن خلاله يظهر الجانب الآخر من شخصية دون جوان، الجانب الذي يعرف حدود الرغبة ويحاول مواجهتها. يصبح الاثنان صورتين متقابلتين لشخصية واحدة: الرغبة المطلقة في الحياة أمام صوت العقل والرقابة.
ويختلف رانك (1884-1939) هنا عن التفسير الفرويدي الذي يختزل أسطورة دون جوان في عُقدة الأب، إذ يرى أن الشخصية تحمل طبقات أوسع مرتبطة بالخوف من الموت وبمحاولة الإنسان تحدي النهاية عبر البحث الدائم عن اللذة والانتصار. فدون جوان لا يطارد النساء في ذواتهنّ، وإنما يطارد إحساساً بالوجود المتجدّد، وكأنه يحاول الهروب من الزمن.
تكمن أهمية كتاب رانك في أنه يفتح قراءة جديدة للأعمال الأدبية والفنية التي تناولت فكرة النظير، حيث تصبح هذه الأعمال مساحة لفهم الصراع الداخلي للإنسان. فالظلّ الذي يظهر في المرآة، والصورة التي تنفصل عن صاحبها، والشخصية التي تحمل رغباتنا المكبوتة، كلها وجوه لسؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يتصالح مع الأجزاء الخفية من ذاته؟ ومن هنا يتحول النظير من عنصر في أدب الرعب إلى رمز لتجربة إنسانية عميقة، عنوانها مواجهة النفس والبحث عن معنى الوجود في مواجهة الموت.