الحدود اللغوية بين الدّارجة والفصحى في "فصول في عربية المغرب" لعبد العلي الودغيري

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)

يسعى عبد العلي الودغيري إلى إعادة كتابة تاريخ اللغة العربية في المغرب من زاوية لغوية وتاريخية ومعجمية، وأن ينقض كثيراً من التصورات الاختزالية التي حصرتها في كونها مجرد "لهجة محلية" منفصلة عن تاريخ العربية العام، في كتابه "فصول في عربية المغرب" (منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026).

يدافع الباحث المغربي عن أطروحة أساسية مفادها أن العربية المستعملة في المغرب ليست وافداً لغوياً طارئاً ولا مجرد لغة تعليم ودين، وإنما لغة استوطنت منذ قرون طويلة، وتطورت عبر الاحتكاك والاستعمال اليومي، واكتسبت خصائص محلية شأنها شأن سائر اللهجات العربية.

مسار تاريخي

يرى المؤلف أن العربية دخلت المغرب مع الفتح واستقرار القبائل العربية، ثم ترسخت عبر التداول الاجتماعي والتعليم والدين والإدارة، حتى أصبحت جزءاً من البنية اللغوية للمجتمع المغربي. لذلك يرفض النظر إلى الدارجة المغربية باعتبارها لغة منفصلة عن العربية، ويعتبرها امتداداً تاريخياً لها.

ويركز على الأصول اليمنية لعدد كبير من الألفاظ المغربية. ويخصص لها الفصل الثاني، وهو ما يكشف رغبته في تتبع الجذور التاريخية للهجة المغربية وربطها بالهجرات العربية القديمة، خصوصاً القبائل ذات الأصول اليمنية والقحطانية التي استقرت بالمغرب.

يتحول المغرب إلى متحف حيّ لبعض الطبقات القديمة من العربية

كما يحاول البرهنة على أن كثيراً من الكلمات والتعابير المغربية التي يظنها الناس دخيلة أو عامية محضة لها أصول عربية قديمة. ولهذا عاد إلى القواميس والمعاجم القديمة، وكتب الأدب والتاريخ والرحلات والنوازل والتراث الأندلسي، بحثاً عن الشواهد التي تثبت وجود هذه الألفاظ في العربية قبل ظهورها في الاستعمال المغربي.

ويقدم أيضاً تاريخاً للجهود المعجمية التي اهتمت بالعربية المغربية منذ القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر. ويبرز هنا أهمية الاستشراق الأوروبي، خاصة الإسباني والفرنسي، في جمع مفردات الدارجة المغربية ووضع القواميس الخاصة بها. ويذكر في المقدمة أسماء من قبيل الراهب الغرناطي بيدرو دي ألكالا وغيره من الذين جمعوا المادة اللغوية المغربية لأغراض دينية أو استعمارية أو علمية، مثل جرمان موييت.

وينتقد بصورة ضمنية الأطروحات التي تنظر إلى الدارجة المغربية باعتبارها لغة مستقلة عن العربية الفصحى. فالمقدمة كلها مبنية على فكرة الاستمرارية التاريخية بين العربية المعيارية والعربية المغربية، وعلى أن التطور الدلالي والصرفي والصوتي الذي عرفته الدارجة ظاهرة طبيعية تعرفها جميع اللغات الحية.

مقارنة تاريخية ومعجمية

من الناحية المنهجية، يعتمد الودغيري، انطلاقاً من خلفيته الأكاديمية في دراسة المعجم، على المقارنة التاريخية والمعجمية؛ أي أنه يتتبع الكلمة المغربية عبر العصور والكتب والمعاجم ليحدد أصلها ومسار تحولها. وهنا يمكن القول إن أطروحة الكتاب هي "مركزية الأصل العربي في تفسير العربية المغربية"، ما يفضي إلى استنتاج يدفع إلى تقليص حجم التأثيرات الأمازيغية والأفريقية والمتوسطية والأندلسية التي ساهمت أيضاً في تشكيل الدارجة المغربية. 

ومن هذا المنطلق، يؤسس الودغيري سردية كاملة حول تاريخ العربية في المغرب وموقعها داخل الهوية الثقافية المغربية. وهذا ما يتضح من مقدمة الكتاب التي أراد لها صاحبها أن تكون "بياناً معرفياً" يدافع عن الامتداد التاريخي للغة العربية الوافدة مع الفتح الإسلامي وما تلاه من استيطان للقبائل العربية، مؤكداً أن الخصوصيات الصوتية أو المعجمية أو التركيبية للمغربية لا يخرجها من دائرة العربية، وإنما تدخل ضمن القوانين الطبيعية لتطور اللغات.

ينطلق المؤلف، في أطروحته، من ملاحظة أساسية مفادها أن كل لغة حين تستقر في مجال جغرافي معين وتتداولها جماعات بشرية مختلفة لا بد أن تتغير وتكتسب خصائص جديدة. ومن ثم، فإن السؤال الذي يحكم الكتاب هو: ما هي المسارات التاريخية التي أنتجت هذه الصيغة المغربية من العربية؟

هذا السؤال، يواجه إحدى أكثر الأطروحات انتشاراً في النقاش العمومي المغربي، وهي النظر إلى الدارجة باعتبارها خليطاً لغوياً فاقداً للأصول أو لغة هجينة لا صلة لها بالعربية الفصحى، ما دعا البعض إلى التعامل معها بوصفها "سقط متاع" لا يستحق الانتباه. فالودغيري يحاول البرهنة على أن عدداً كبيراً من الكلمات التي تبدو غريبة أو عامية أو محلية جداً يمكن العثور على أصولها في المعاجم العربية القديمة أو في لهجات عربية تاريخية اندثرت في موطنها الأصلي وبقيت آثارها في المغرب.

البحث عن الأصل

ومن هذه الزاوية يتحول المغرب، في نظره، إلى ما يشبه متحفاً حياً لبعض الطبقات القديمة من العربية. ومع ذلك، تقتضي القراءة النقدية للكتاب الانتباه إلى أن المؤلف يشتغل داخل نموذج تفسيري معين، هو نموذج "البحث عن الأصل". وهذا النموذج كان سائداً في الدراسات اللغوية التاريخية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. إنه نموذج يفترض أن قيمة الظاهرة اللغوية تكمن في العثور على أصلها الأول، وكأن الكلمة لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا ثبت نسبها إلى العربية القديمة. والحال أن اللسانيات الحديثة لم تعد تمنح الأولوية المطلقة لمسألة الأصل بقدر ما تهتم بكيفية اشتغال اللغة داخل المجتمع وبالتحولات التي تنتج المعنى في السياقات الجديدة. فحين يعثر الباحث على أصل عربي قديم لكلمة مغربية، فإن ذلك يجيب عن سؤال النشأة، لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال الوظيفة الاجتماعية أو الرمزية لهذه الكلمة داخل الثقافة المغربية. وهذا ما يجعل المنهج التاريخي الذي يعتمده الودغيري غنياً من جهة، لكنه محدود من جهة أخرى. وهذا ما يظهر بصورة أوضح في تجاهل الروافد الأخرى، وعلى رأسها الرافد الأمازيغي الذي يضعه المؤلف في الخلفية البعيدة، وكأن الأمازيغ كانوا مجرد أشباح لا ظلال لغوية لهم، كما أن هذه المركزية العربية تقفز على حقيقة أن المغرب لم يتشكل من روافد عربية فقط، كما لم يتشكل من روافد أمازيغية فقط، إذ هو نتاج تفاعلات معقدة بين العربية والأمازيغية والأندلسية والأفريقية والمتوسطية واليهودية. ومن ثم فإن كثيراً من الخصائص الصوتية والتركيبية والمعجمية للدارجة المغربية لا يمكن تفسيرها بالرجوع إلى العربية وحدها. فالاحتكاك اللغوي الطويل بين العربية والأمازيغية أنتج بدوره ظواهر لغوية معقدة لا تختزل في منطق الأصل العربي. كما أن اللغة، أي لغة، ليست مجرد مخزن للألفاظ القديمة، وإنما هي أيضاً فضاء لإعادة إنتاج المعاني وإعادة تشكيل الهوية اللغوية.

ينطلق المؤلف من مركزية الأصل العربي في تفسير العربية المغربية

غياب أدوات التحليل السوسيولوجي

ومن الملاحظ أيضاً أن المقاربة المعجمية التي اعتمدها الودغيري، رغم ثرائها، تطغى على بقية المستويات اللسانية. فالكتاب يمنح أهمية كبيرة لتاريخ الكلمات وأصولها، لكنه يقلل نسبياً من تحليل التحولات الصوتية والتركيبية والتداولية التي تميز العربية المغربية المعاصرة. ومن ثم فإن القارئ المتخصص في اللسانيات الحديثة قد يشعر بغياب أدوات التحليل السوسيولوجي وتحليل الخطاب، التي أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من دراسة اللهجات.

ومع ذلك، فإن الودغيري، الذي لا ينكر القيمة العلمية للأعمال الاستشراقية، رغم خلفياتها الاستعمارية، يحذر من استمرار بعض الرؤى داخل الدراسات اللسانية الحديثة التي تشجع الدارجة على حساب العربية المعيارية، وهو ما قد يتحول إلى امتداد لأفكار قديمة نشأت في سياقات استعمارية، وإن كانت تُقدَّم اليوم بأشكال أكاديمية أو تربوية جديدة. ذلك أن تاريخ العربية في المغرب الكبير لا يمكن فهمه من خلال ثنائية مبسطة بين الفصحى والدارجة. فالعلاقة بينهما تاريخية ومعقدة، كما أن مواقف الباحثين منهما ارتبطت دائماً بسياقات سياسية وثقافية وإيديولوجية تتجاوز الجانب اللغوي المحض.