الحب برواية جميلة فوجور

27 أكتوبر 2020
الصورة
الزوجان فوجور في 2018 (Getty)
+ الخط -

تنحدر جميلة فوجور، الكاتبةُ الفرنسيّة، من أصول جزائريّة، وقد وُلدتْ ونَشأتْ في ضواحي باريس، في كنف أبَوَيْن تقليدِيّيْن. ومن هنا بدأت قصّتُها: أرادت لذاتِها مَصيرًا مختلفًا عما يرسمه الآباء سلفًا لأبنائهم وفضّلت الحرّيةَ أفقًا عبر مواصلة الدّراسة العليا والتخصّص في القانون حتى نالت شهادة الأستاذيّة، كما كلفتْ بالقلم والتحرير. 

لكنّها، قبل هذا وبعده، هي زوجة ميشال فوجور، أحدِ أخطر لُصوص فرنسا ومُنحرفيها الكبار السابقين، قضى من حياته ثلاثينَ سنةً وراءَ القضبان، تَعرَّف خلالها، سنة 1991، على جميلة التي كانت آنذاك طالبَةً في القانون و"زائرة سجون". وعاشا مُذّاك إحدى أغرب قِصص الغَرام والكتابة والبحث عن المعنى، بين ضيق السُّجون وجماليّة الفُنون. ثم قرّرت جميلة، في نهاية مطافها، أن تسطّر قصة الحب هذه التي جَمَعتهما في كتابٍ نادر الموضوع، اختارت له من الأسماء: "قوة الحُبّ"، وقد صَدر مؤخراً في دار النشر (OX).

يقع جنس هذا التأليف في مفترق طرقٍ بين أسلوب السّيرة الذاتيّة والقَصِّ الرومنسي والسرد البوليسيّ، وحتى المحاولة الفلسفية- السوسيولوجية في الفهم والتّصوير. تروي فيه صاحبتُه حكايةَ هذه العلاقة الغريبة، التي قلما يتَوَقّعها أحدٌ، مع هذا الرجل الذي أدين بخمسٍ وعشرين سنةً سجنًا جرّاء ارتكاب اثنَيْ عَشَرَ عملاً إجراميًّا (بين سطوٍ واعتداءات) وستّ عمليات فِرار أو محاولة فِرار من السجن، حتى صارَ من وُجوه الهروب الأسطورية ولُقّب بــ"ملك العَدْو"، في إشارة إلى رَكض السجين الفارّ. 

الكتاب لمحةٌ عن إمكانية إعادة التأهّل ضمن المُجتمع

ومن بين تلك المحاولات، اثنَتَان نظّمَتْهما هذه الفتاةُ بعد أن تمكَّن العشقُ من فؤادها، إلا إنّهما باءَتا بالفشل، وكان مآلها أن حُكمَ عليها هي بالسجن لستِّ سنواتٍ. وبعد انتهاء محكوميّتها، سنة 1998، تزوّجَا، ثم أطلق سراحُه بدوره سنة 2003 ليبدآ معًا عيشة الحريّة والكتابة والمشاركات الفنية بين المسرَح والسينما.

وقد انكبّت جميلة على كتابة مسيرتها ساعيةً أن يكون كتابُها وثيقةً تاريخيّةً تحمل رؤيتَها للأحداث وتكمّل الشهادةَ التي كتبها قبلها زوجُها ميشال حول تجربته في السجن وتطوّر مَواقفه من السلطة والقضاء ضمن مجتمع ينظّم نفسه حسب مواضعات وقوانينَ تحمل الفرد على الانصياع. كما أرادت أن تعودَ إلى جذور تَجربتها الإنسانية، وهي فريدةٌ، لتفهَمَ سبب إقدامها على هذه الأفعال متوسلةً بالكِتابة وقوّة الكلمات، التي رأت فيها ما يشبه البلسم الذي يُعينها على سبْر أغوار ماضيها وما اتَّخَذته من خطير القرارات. وقد عوّلت في ذلك على برود الكلمات وقوتها في اجتراح المَسافة النقدية اللازمة من الأحداث لإجراء تحليلٍ بَعديّ عنها، من أجل فَهم تلك اللحظة التي انقلبت فيها حياتُها رأسًا على عقبٍ: من مشروع قاضية، في أعلى مراتب المجتمع الفرنسي، إلى سجينه متواطئة مع أخطر المُجرمين.

وحتى تفهمَ هذا المنحنى الجذري، عادت الكاتبة إلى سنَوات الدراسة في قسم القانون، حين كانت تتهيّأ لتصبح قاضيةً، قاطعةً مع ذلك المَصير المُحَدّد سلفًا حيث أراد لها أبواها الجزائريان أن تصبحَ ربَّة بيتٍ، على غِرار أُختها. ومن هذه الثورة على الصورة النمطية للمرأة وعلى التقاليد البالية، سعت بنتُ المهاجرَيْن إلى أن تسطّر قصةً مختلفة. وبدافع الفُضول سَنَةَ تخرّجها، سعت إلى أن تتعرّف على عالَم ما وراء القضبان من الداخل، حتى تأخذ فكرة دقيقة عن نمط العيش فيه. فانضمّت إلى جمعية قانونيّة طلابيّة، من أهدافها إعطاء دروس إلى نزلاء السجون. وعَلمَت أنّ ميشال فوجور، أشهر موقوفي فرنسا وقتها، كان يقضي محكوميته في زنزانة انفراديّة. وبجرأةٍ عجيبة، قرَّرت أن تزورَه في محبسه، رغمَ الحظر، فما كان منها، عنادًا وإصرارًا، إلا أن زوّرت وثيقة الزيارة وأضافت اسم ميشال، بعدَ أن فَسخت بالماحي اسم أحد المساجين الآخرين، وقدّمتها إلى الحارس الذي سمح لها بالدخول إلى أكثر الأماكن عزلةً وانغلاقًا.

لم تبحث المؤلفة عن التصالح مع تراث أبَويْها وأجدادها

تَعجّب السجين الخطير من جَراءَة هذه الفتاة اليانعة التي اقتَحَمت عليه عالَمه الضيق، سجنًا داخل سجنٍ، بعد سنين من التوحّد والانفراد. وأدرك أنّها حاملة لبَذرةِ مغامرةٍ طويلة المدى، بَعد عددٍ من المراسلات العامة معها التي سبقت هذا اللقاء. وأما هي فقد أبْصرت، وللوهلة الأولى، "أنَّ الرَّجلَ يَحمل في ذاته طاقاتٍ خارقة للعادة وأنه لا يزال واقفًا، بالرغم كلّ ما يكابده من وَحدة وانعزال"، فرأت فيه نقطة تحوّل ثمينة، وهي الطالبة الحالمة التائقة إلى الحرّية. فهمَ ميشال ما تبحث عنه، فسعى إلى إنقاذها ممّا أغرقها فيه والداها من مصيرٍ مخططٍ له سلفًا، وساعدها على كسر "سِجنها" قائلاً: "أنتِ تَحلُمين، وهو ما يعني أنك قادرة على تحقيق ذلك الحلم".

ويمضي الكتاب في تصوير أطوار هذه المغامرة حتى أقنَعت جميلة زوجَها، وهو في السجن، بضرورة وضع حدٍّ لدوّامة العنف التي اختنقا فيها وبَيّنت أنّ الأجدى الإذعانُ إلى سيادة القانون والقطع مع "حَرب الإخوة" التي يخوضانها ضدَّ العدالة. أطلقَ سراحها أولاً سنة 1998 ثم سراحُهُ سنة 2003، ليبدآ حياة جديدة سويةً. وختمت الكاتبة سرديتها بالقول: "أردتُ أن أذكِّرَ أنَّنا لا نمتَلكُ سوى حياةٍ واحدةٍ. لا تتوقّفُ الأشياء فيها عَلينا، ولا تكمن القوى خارجِنا، لكنْ في دواخلنا، إذن عيشوا! أحبُّوا! واذهبوا إلى الغاية في كل شيءٍ، وهذا جديرٌ بأن يعاش". 

وأما أسلوب الكتابة فسردي واضحٌ، لا أثرَ لمحسّنات البلاغة فيه، تروي من خلاله كلَّ مرحلةٍ بما عاشته من مَشاعرَ، وتحلّل ما كابَدتْه من أفكارٍ وأحاسيسَ، وتقدّم الأحداث في حبكة خطية، مع فقراتٍ من الاستباق والاستشراف، كلُّ مادّة السرد واقع صادقٌ، ولكن بها غَرابةٌ تجعلها أقربَ إلى الخيال الجانح. 

الصورة
فوجور

وهكذا، فالكِتاب مَلحمةٌ معاصرة عن الحب في أوساط الانحراف، لمحةٌ عن إمكان إعادة التأهّل ضمن نسيج المُجتمع. قارئًا عربيًّا أتساءل: ما عسى أن يستفيد قارئي العربيُّ من مثل هذه القصص؟ من جهة أولى، سيرى أنّ انجرارَ جميلة، مثل سائر أبناء المهاجرين، إلى مثل هذه المغامرات اللامحسوبة في أكوان رمزية غريبة، مُكلّفٌ على جميع الصُّعد. وهو ما يدعوه ويدعوها إلى الاطلاع على مَصادر القوّة في تراثِها وتراث أبوَيْها العربي- الإسلامي بما فيه من عناصر الأمل والخير، مما يقتضي التعريفَ به أكثر لدى هذه الفئات العريضة من سكان أوروبا. 

ومن جهة ثانية، قد يجد هذا القارئُ الفاقدُ للأمل بسبب تفاقم الأزمات المعيشيّة وقمع الأنظمة بصيصَ أملٍ في قوة الحبّ والكتابة لتغيير واقعه ولو نسبياً. أكّدت الكاتبة أنَّ القوة الرئيسة التي حرّكتها، في كل أطوار تجربتها الفريدة هي الحب، وأنّه يصنع المعجزات. 

لكنْ بعيدًا عن مخاوف فتاةٍ مراهقة وأحلامها الرومانسية، وما حَشَوا به ذهنها من اعتبار ثقافة أبويْها ثقافة حَجْر للحريات ومنع للفرد من التألق، سيتساءل القارئ: ألم يكن أحْرى بجميلة، فتاةً ومكتهلةً، أن تتصالح أيضًا مع تراث أبَويْها وأجدادها وأن تحسّ بما عانوه حتى وصلوا إلى هناك وأنّ حِمائيّتهما لها لا تنبع إلا من مَعين الحب الصادق والواقعيّة الحقة، وإن بالغا في ذلك. 

وكائنًا ما كانت تصوّراتُها عن "الثقافة الأصليّة للمهاجرين"، فإنَّ الأدب كسب نصًّا قويًّا مؤثرًا، يخرج عن الطرق المعبّدة، ويروي من واقع الإنسان المعاصر تجربةً احتمالاتُها نادرة، وفرادتها تَقطعُ الأنفاس.

المساهمون