الجدل حول كتب "دار ألكا" وأسئلة النشر في العراق

14 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15 ديسمبر 2025 - 12:24 (توقيت القدس)
جانب من الدورة الأخيرة لمعرض بغداد الدولي للكتاب، 11 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار الكاتب صادق الطائي جدلاً في الأوساط الثقافية العراقية باتهامه دار "ألكا" للنشر بطباعة كتب "وهمية" تفتقر لوجود حقيقي للمؤلفين والمترجمين، مما يفسد البيئة الثقافية.
- نفت دار "ألكا" الاتهامات، مؤكدة أن جميع الكتب تحمل أرقام ISBN رسمية وتخضع للتحقق عبر مختصين وبرامج الذكاء الاصطناعي، مع استعدادها لوقف أي كتاب يثبت تزويره.
- توسع الجدل ليشمل بنية النشر في العراق، حيث أشار الروائي علي بدر إلى أخطاء في التعامل مع مكتب ترجمة غير معروف، مؤكداً أن الدار أوقفت بيع الكتب وفتحت تحقيقاً داخلياً.

أثار الكاتب والصحافي صادق الطائي على صفحته الشخصية في فيسبوك، جدلاً واسعاً في الأوساط العراقية، إذ اتهم دار "ألكا" للنشر بطباعة كتب وصفها بأنها "وهمية"، واصفاً ذلك بـ"التضليل الثقافي". لكن الروائي علي بدر، اعتبر في تصريح خاص بـ"العربي الجديد" أن صادق الطائي، بصفته صحافياً، بحث عن عناوين الكتب أو أسماء المؤلفين، وحين لم يجدها، ذهب إلى إثارة الجدل واتهام الدار بالتزوير، و"أن ما حدث يعود إلى أن محرراً في ألكا تلقّى مجموعة من الكتب التاريخية المترجمة من لغات متعددة عبر مكتب ترجمة تواصل مع الدار وقدّم هذه الترجمات بوصفها أعمالاً جاهزة للنشر".

جدل الأصل والمترجم

في منشوره الذي بدأ الجدل، أشار صادق الطائي إلى أن ما فعلته دار ألكا "فضيحة لا تشبه أي خلل مهني معتاد، بل تتجاوز حدود الأخطاء الطباعية وسوء الترجمة إلى مستوى صادم من التضليل الثقافي المتعمد"، واستند في طرحه إلى أن "التحليلات المعتمدة" على مراجعة الكتب أظهرت "أنّ القاسم المشترك بين هذه العناوين جميعاً هو غياب أي وجود حقيقي للمؤلفين الذين تُنسب إليهم"، كذلك لا تحظى أسماء مؤلفيها ومترجميها بأي حضور في الأرشيفات الأكاديمية أو المهنية. إضافة إلى أن النصوص نفسها تفتقر إلى خصائص الترجمة العلمية، وتبدو أقرب إلى لغة إنشائية عامة، بلا إحالات ومراجع، ومشحونة بأخطاء مفهومية.

وبالنسبة إلى الطائي، فإن ما جرى "لا يمكن اعتباره خطأً أو تجاوزاً، بل تزييفاً حقيقياً للمعرفة. فهذه الكتب لا تضلل القارئ فحسب، بل تُفسد البيئة الثقافية، وتشوّه صورة الترجمة والبحث، وتقدم موادّ مضللة يمكن للطلاب والباحثين غير المدققين اعتمادها في دراساتهم على أنها كتب أكاديمية". ولفت إلى أن عرض هذه الكتب في معرض العراق الدولي للكتاب يطرح تساؤلات جدية عن آليات التدقيق والرقابة، ودور المؤسسات الثقافية الرسمية في حماية القارئ. 

تطرح الأسماء والعناوين أسئلة عن حقيقة المعرفة المنشورة

من جهتها، أصدرت فاطمة بدر، مديرة دار ألكا، رداً مباشراً باسم الدار على ما كتبه صادق الطائي، نفت فيه الاتهام بنشر كتب مكتوبة بالذكاء الاصطناعي أو مزوّرة، فلو كانت "كتبنا مكتوبة بالذكاء الاصطناعي مثل كتاب "العرب" أو كتاب "الفضائح الجنسية" أو "الصحفي النيويوركي" أو "هتلر والنساء" لكنا كتبنا عليها بكل بساطة، "كتبٌ كُتبت بالذكاء الاصطناعي"، وهو أمر طبيعي ومشروع وموجود في كل المعارض العالمية".

وأردفت الناشرة: "لو كان صادق صادقاً لتأكد فعلاً من الكتب بشكل حقيقي ومن دون استعجال، نعم تم تغيير عناوينها هذا أمر متبع في كل العالم، فدار النشر يمكنها أن تنشر كتاباً بعنوان آخر". أما في ما يخص أرقام ISBN، فتصف بدر الاتهام بتزويرها بأنه "غير صحيح"، مؤكدةً أن جميع الكتب "مأخوذة بأرقامها الرسمية" ولم يحصل شراء أو تزوير أي رقم. وحول آليات عمل الدار وإمكانية وقوع مثل هذه الأخطاء، تضيف بدر: "أستقبل الكتب مثل كل الدور من طريق الإيميل، أحياناً يصعب عليّ التحقق، فأرسل الكتاب إلى مختص لمعرفة علميته وأُخضع الترجمة لبرنامج الذكاء الاصطناعي وأقبلها لما تكون بشرية بدرجة معقولة". وختمت فاطمة بدر ردها بالتشديد على أنه في حال ثبوت أي تزوير لا لُبس فيه، ستوقف الدار الكتب المعنية، مشددة على أن دوافعها "ثقافية لا مادية"، وأن النقد مرحّب به إذا جاء "من دون تحريض".

اتساع نطاق التفاعل

لم يبقَ الجدل محصوراً حول دار ألكا، بل فتح نقاشاً أوسع في مواقع التواصل الاجتماعي بشأن بنية النشر في العراق، تضمن أسئلة عن كيفية مرور كتب بلا أصول موثقة إلى رفوف المعارض، وعن الحدود الفاصلة بين الترجمة، والتأليف، وإعادة الصياغة.

 

الروائي علي بدر، صاحب دار ألكا، كتب على صفحته نافياً علاقته بما يُنشَر في الدار، على اعتبار أنه لم تعد له علاقة مباشرة بمنشورات "ألكا" حين بدأ العمل في مؤسسة أخرى، هي دار المدى. لكنه أكد لاحقاً في تصريح خاص بـ"العربي الجديد"، تحمّله مسؤولية التحقيق في ما نشره صادق الطائي. وأشار إلى أنه لم يكن صاحب القرار في نشر هذه الكتب، وأوضح تفاصيل القصة من وجهة نظره، فقال إن "المشكلة بدأت من "خطأ الدار" في "التعامل مع مكتب ترجمة غير معروف (...) ولكن المحتوى لا غبار عليه مطلقاً" بالإضافة إلى أنها، أي الدار "وقعت ببعض الأخطاء الفنية القليلة، بسبب قرب موعد معرض الكتاب".

فتحت الدار تحقيقاً أفاد بكون بعض الكتب مؤلَّفة لا مترجمة

وحول أسلوب معالجة الإشكال الذي نتج من القصة، قال بدر إن الدار "أوقفت بيع الكتب وفتحت تحقيقاً داخلياً، خلص إلى أن بعض الكتب قد تكون مؤلَّفة وليست مترجمة، وإن لم تكن كلها كذلك"، مؤكداً أن "بعض ما ذكره الصحافي لا صحة له، فهي كتب مترجمة ولكتاب معروفين، والترجمة ممتازة". لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بأن الأصول التي قدمها مكتب الترجمة "قد تكون غير صحيحة في ما يخص بعض الكتب"، كأن تكون النصوص قد تُرجمت أصلاً من العربية إلى لغات أخرى باستخدام أدوات آلية، ثم أُعيدت ترجمتها.

وأضاف: "لما حدثت العاصفة، حققت بنفسي في الكتب وكيفية استلامها ومحتواها، وهنا قرّرتُ مع فريق المحررين إعادة النشر بسبب أهمية الكتب وتكذيب ما ورد لدى صادق الطائي من أنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي. نحن نعتقد أنها مؤلفة تأليفاً جيداً من شخص يجيد كتابة التاريخ، ليس بصورة أكاديمية، بل بلغة أدبية شفافة وبرصانة وبأحداث ممتعة، وهذه من سياسات الدار. فدار ألكا لا تنشر كتباً أكاديمية، بل هي مخصصة للقارئ المتوسط، وتهتم بالتاريخ الشعبي". ويختم بدر توضيحه بالتشديد على أن الحملة استهدفته شخصياً، معتبراً أن اسمه استُحضِر في سياق لا يعكس موقعه الفعلي في إدارة الدار حالياً. 

ما بين اتهامات الطائي، وتوضيح دار ألكا، ورواية علي بدر، تتكشف منطقة رمادية يصعب اختزالها في ثنائية التزوير أو البراءة. فالقضية لا تتعلق فقط بصحة هذه الكتب أو تلك، بل في طبيعة معايير التحقق من الأصول والترجمات، وباعتماد النشر في كثير من الأحيان على الثقة الفردية بدل الإجراءات المؤسسية. 

المساهمون