"التَّابع وسليمان" لـ أحمد عبد الحليم: تصدير الغضب

12 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 07:45 (توقيت القدس)
يجد القارئ الكثير ممّا يتقاسمه مع بطل الرواية التي تحكي قصّة شاب مصري
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- سخرية التابع من الذات والواقع: تقدم رواية "التَّابع وسليمان" سردية غاضبة حيث يسخر التابع من نفسه ومن واقع الأوطان التي تشبه السجون، مما يعكس حالة من الغضب والرفض تجاه الوطن.

- إعادة تعريف العلاقة مع الوطن: تحكي الرواية قصة شاب مصري هرب إلى بيروت، حيث يعيد تعريف علاقته بوطنه من خلال ذكريات الطفولة والمراهقة، مما يؤدي إلى تصدير الرفض كثورة ووعي بالانتماء.

- السلطة والحب كقوى قهرية: تركز الرواية على علاقات القوة والضعف بين الجسد والسلطة، حيث يصبح الحب حلماً بعيد المنال، وتصور السلطة كقوة قهرية تمحو الأنا، مما يجعل الكتابة تعبيراً عن الغضب.

رواية الكاتب والباحث والناشط السياسي المصري أحمد عبد الحليم (1995) "التَّابع وسليمان" سرديّةٌ غاضبة، مشدودة ومتوتّرة. فيها حيّز واسع لسخرية التابع من نفسه، ومن واقع تنقله الرواية عن أوطانٍ ليست أكثر من سجون، ومنافٍ ليست سوى انكفاء داخل الجسد. وكأنَّما يُحيل الكاتب المصري في روايته الصادرة حديثاً عن "مرفأ للثقافة والنشر"، الوجودَ كلّه، إلى لعنة، إلى حبس، إلى زنزانة خانقة لا سبيل للفكاك منها إلّا نداء الموت كي يأتي.

مع ذلك، يجد القارئ الكثير ممّا يتقاسمه مع بطل الرواية التي تحكي قصّة شاب مصري، سجين سياسي، هربَ من بلده إلى بيروت. وفي المنفى أعادَ تعريف علاقته بوطنه الذي يتطابق في مواضع عديدة مع السجن. وقد أعادَ الراوي تعريف علاقته مع وطنه عبر ذكرياتِ سنوات الطفولة الأولى والمراهقة لشابّ ينتمي إلى بيئة تحت متوسطة. امتنع الكاتب عن وصفها على أنها بيئة فقيرة؛ كلُّ ما فيها يزرع أسباب الغضب، ويرفع من فرصة أن ينمو وعي المرء بوطنه، بصورة ساخطة، مع إدراكه لوطنه عبر الرفض وفي الرفض، وفي تصدير الرفض أخيراً، والثورة هنا وعيٌ بالانتماء.

تصدير الرفض، السِّمة التي تدور حولها الرواية التي تحمل عنواناً فرعياً "عن الحُبّ والجسد والمنفى". وعبد الحليم مشغول بنظرياته عن الجسد والسُّلطة، مع خيط يدمجهما معاً، هو علاقات القوّة والضعف، لا أقول الحُبّ. لأنّ الرواية عن حياة التابعين. والحُبّ بالتالي، ليسَ أكثر من حُلم، ليسَ أكثر من روح تطوف وتُظلّل الحياة من غير أن تتجسَّد. إذ ليس بوسع التابعين امتلاكه أو الاغتناء به. فينوب عن لغة الحُبّ الحميمة سيلُ الشتائم التي تظهر تلقائية في السردية الغاضبة. ينوب عن الآخر، تمنّي وجوده، ومراسلته. وينوب عن الحُبّ المتبادل، ذلك الشعور الذي يُبقي الآخر على مسافة، شعور خجلٍ مبتور، وخضوع لا يُجيد التعبير عن نفسه. 

انسحاب داخل الجسد أمام ترهيب السُّلطة السياسي والاجتماعي

أخيراً ينوب عن جسد الآخر، الاستمناء على خيالاتٍ وصور ذهنية معظمها من صنع المخيّلة. كما ينشغل صاحب كتاب "تمثّلات المُجتمع المصري: في الذات والجسد والهُوية" برسم عوالم التابعين، ويُسهب في وصفهم بذاتهم؛ إلى درجة تنتهي الرواية من غير أن نعرف من هو سليمان بالضبط. نشعر بأنّه السُّلطة. نحدس به رمزاً لكل سُلطة. إن كان الكاتب مصرياً، فهو إشارة إلى النظام هناك خاصّة مع عرض الرواية لتجربة راويها مع ضبّاط المخابرات، وفي المظاهرات إبّان الانقلاب على حُكم محمد مرسي.

الرواية تتوزّع على عدد من الشخصيات، وهي ليست عنهم تماماً، بقدر ما هي شعور الرَّاوي إزاءهم. إنّه نَصٌّ مضبوط لما أرادَ عبد الحليم إيصاله، إنه رسالة، أو شهادة الشابّ المصري عن زمن سُرقت فيه ثورته، ولم يقدر أن يصيغ مستقبله إلا هروباً من الاعتقال، وخوفاً من الاعتقال. ربّما الشخصية الوحيدة التي تُرافق الشابّ الخائف الذي يدفعه محيطه إلى أن يخجل من تجربة سجنه، ومعارضته للنظام، هي والدته التي أكثر ما تظهر بتصويرها حضناً ينتظر خروج ابنها من السجن، وحضناً يُشيّع ابنها إلى المنفى. حضناً يُمكن لكثرة حضوره في الرواية أن يكون ابتكارَ الراوي. دلالته شيءٌ مفقود، وطنٌ مستلب، ومنفى يضيق كلّ يوم، في مدينة تضيق أزمنتها مثل بيروت.

إذاً، تُصوِّر الرواية، التي تقع في 264 صفحة، عالماً ضيّقاً. الكتابة عنه بنبرة غاضبة مُساهَمةٌ في توسيعه، وفتحُ نافذة في جدرانه العالية الصلبة التي تكاد تخنق ساكني هذه الأوطان، وتدفع بأهلها إلى الانسحاب داخل الجسد في أشدّ عملية انضباط ذاتي ترهيباً يُمكن أن تقودها سلطةٌ سياسيّة واجتماعية ودينية. بهذه الصورة، يصعب تمييز سلوك المرء عن كونه تابعاً لسلطة قهرية هي سلطة النظام، وسلطة الحُبّ. الرواية تماهٍ بين السُّلطتين، باعتبارهما سيادةً على الآخر؛ تمحو الأنا، وتبتر وجودها، وتدفع بالكتابة لتصير غضباً صرفاً من جرَّاء ازدراء الحياة المُستلبة تحت القمع. 

* روائي من سورية