التعلّم بالمجاورة

24 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
سامية حلبي/ فلسطين
+ الخط -
اظهر الملخص
- تجربة الشاعر ريلكه مع النحّات رودان تُبرز أهمية الانضباط والتأمل في الكتابة، حيث تعلم ريلكه أن ينظر إلى الأشياء بموضوعية، مما أثرى قصائده وجعلها أكثر عمقًا وواقعية.
- الكتابة ليست مجرد اتباع قواعد أو اختيار موضوعات، بل هي تجربة عيش تتطلب الإنصات لعوالمنا الداخلية وكشف طبقات وعينا، مما يجعلها أكثر بساطة وثراء.
- التعلم من تجارب الآخرين، مثل ريلكه ورودان، يُظهر أن الكتابة تتطلب الصرامة المهنية والإنصات للمادة، مع التركيز على التعبير عن الصوت الداخلي بصدق.

يُقدّم تعليم الكتابة، غالباً، على أنّه اتّباع مجموعة قواعد تبدأ بالفكرة، وكيفية اختيارها، كي تحتمل أن ينسج منها الكاتب عالماً روائياً، أو كي يبني عمارته. يلي ذلك اختيار الشخصيات، وتطويرها، وبناء الحبكة. والأهم، اختيار الراوي، وزاوية المعالجة. أيضاً يمكن إجراء تمرينات على الكتابة نفسها، على بناء الجملة، وضبط النص. لكن هذه التفاصيل جميعها، على منطقيتها، تنظر إلى الكتابة على أنّها انتخاب ممّا يراه الكاتب، أو على ما يختاره، وقد ينجح هذا الأمر، مع نصوص محدّدة في ورش الكتابة، التي أصبحت أمراً شائعاً. 

لكن تحمل تجربة الشاعر ريلكه، في أثناء عمله سكرتيراً لدى النحّات الفرنسي  أوغست رودان بين عامي 1905 و1906، اقتراحاً آخر للتعلّم، خاصّة مع التأثير الذي حققه العمل مع رودان في شعر ريلكه. وقد تعلم الشاعر، من النحات: قيمة الانضباط، والعمل المتواصل، والاستغراق في التأمّل قبل الكتابة. حتى إنَّ رودان طرد ريلكه من العمل، بسبب تخطيه صلاحياته كسكرتير. مع ذلك، رأى دارسو ريلكه، أنه اكتسب من معايشة النحّات طريقة جديدة في النظر إلى الموجودات. إذ أصبحت قصائده في تلك المرحلة أكثر موضوعية، وأقل اعتماداً على الانفعال الشخصي. وانتقل من التعبير عن رؤيته الذاتية إلى تمثيلها في رموز وصور. وقد أُطلق على هذا النوع من القصائد اسم "قصائد الأشياء"، واعتمدت على مفردات بسيطة وموضوعات ملموسة من الحياة اليومية.

تقترح هذه التجربة، فكرة المجاورة، إذ إن الكتابة تجربة لا تختلف عن تجربة العيش نفسها، واقتصار تصويرها على أنها اختيار لموضوعات، وبحث عن قصة، وبناء مشوّق، مع إرشادات عامة تقف على سطح الكتابة، يجعل هذا الفن محدوداً بما يحدث في الخارج، بما ننتخبه، فيما ثراء فن الرواية -على الطريقة الرواقية- في النظر إلى الأشياء استجابة لطبيعتها وقوانينها. أيضاً يغني الرواية أن نكشف عن ذواتنا، أن نتعمَّق فيها، بأن نلتفت إلى عوالمنا. عوض تصوير الكتابة على أنها اختراع شاق، يمكن أن تكون أقرب من هذا إلينا، وأكثر بساطةً، إذ يمكنها أن تكون إنصاتاً لعوالمنا الداخلية، كشفاً عن طبقة من طبقات وعينا، ونحتاً للمخاوف.

الكتابة إنصات لعوالمنا الداخلية، وكشف عن طبقة من طبقات وعينا

أما عن التعلّم نفسه، أظن أنَّ ما تعلّمه ريلكه الشاعر من رودان النحّات، عبر المجاورة المهنيّة، ومن غير أن يكون في ورشة عن كتابة الشعر، منحه ما يرجوه كلّ فنان، مثل؛ الصرامة المهنية، والإنصات إلى المادة، والنظر إلى الأشياء والموجودات عبر طبيعتها. وعدا أنواع الحبكات والشخصيات ودور الإلهام، أظن أن جوهر الكتابة، هو أن نتّبع صوتنا الداخلي، أن نكون مخلصين له، وأن نجيد تجسيده في حكاية. 

والكتابة، قبل أن تكون شكلاً، هي كشف. لكن، مع غياب فرصة مجاورة كُتّاب كبار، يمكن لأعمالهم، وبعض السير الغيرية التي كُتبت عنهم، إضافة إلى رسائلهم التي يكشفون فيها بعض مشاغلهم، وبعض آلامهم وصراعاتهم، أن تؤدي دوراً في الاقتراب من عالم الكتابة.

متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها "لحنظلة أخٌ جنوبي أفريقيٌّ طيب"، مدريد، 20 يناير/ كانون الثاني 2024 (Getty)
موقف
التحديثات الحية