"البيت الخالي" للوران موفينييه.. المسكوت عنه في تاريخ العائلة
استمع إلى الملخص
- تستكشف الرواية بيتاً مهجوراً مليئاً بالذكريات، وتتناول حياة أربعة أجيال من منتصف القرن التاسع عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، مركزة على مصاير ثلاث نساء وأسئلة حول الذاكرة والإرث العائلي.
- يستخدم موفينييه لغة متدفقة لإعادة بناء ذاكرة عائلية، مستحضراً الماضي للتأمل في قضايا الذاكرة والزمن، مما يثير أسئلة حول سحر الأدب وقدرة المخيلة على هزيمة النسيان.
ما من مفاجأة في فوز الكاتب الفرنسي لوران موفينييه (1967) بجائزة غونكور عن روايته المدهشة "البيت الخالي"، الصادرة مثل جلّ أعماله عن دار مينوي، فالرواية تصدّرت سباق الجوائز الفرنسية على مدى أسابيع، ونالت إعجاب القراء والنقاد، فبيع منها أكثر من 80 ألف نسخة قبل إعلان فوزها. ويرى كثيرون أنّ أكاديمية غونكور قد تأخّرت في الاحتفاء بتجربة كاتبٍ امتدت لربع قرن، منذ روايته الأولى "بعيداً عنهم" (1999)، نجح خلالها في أن يحتلّ مكانة بارزة في المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، بوصفه واحداً من أهم كتّاب جيله وأغزرهم موهبة، وأنّ عدداً من رواياته السابقة مثل "رجال" (2009)، و"حكايا الليل" (2020) كانت جديرة بنيل إحدى الجوائز الكبرى.
أمّا روايته المتوّجة، التي يؤكّد موفينييه أنّ كتابتها استغرقت ثلاث سنوات، وأنّه حملها في أعماقه أربعين عاماً، فتمثّل ذروة تطوره الفني. وإن كانت أكثر أعماله كلاسيكية، فإنّ هذه الرواية أعلاها طموحاً، إذ أحدثت قطيعة مع سابقاتها بالانتقال من تقنيات المونولوج الداخلي والسرد بضمير الغائب، إلى السرد لأول مرّة بضمير المتكلم، ومن الحفر في الحكايات الفردية المبنية على حادثة أو صدمة محدودة الزمن إلى توسيع زمن السرد ليغطّي قرناً كاملاً (في أكثر من 700 صفحة)، استناداً إلى أرشيف عائلي تتقاطع فيه مصاير الأفراد مع مآسي التاريخ وأهواله. لكنّ الرواية تظلّ وفيّة لنهج موفينييه في مساءلة الواقع من منظور المهمشّين والمنسيّين والخاسرين، ولأسلوبه البارع في رسم الشخصيّات والأجواء، ولغته الرصينة المشغولة بعناية فائقة، وحرصه على التوازن الدقيق بين التعقيد في البناء الروائي وصفاء السرد وسلاسته.
تصدّرت الرواية سباق الجوائز الفرنسية على مدى أسابيع
ينطلق السرد من بيتٍ مهجور يملؤه الغبار؛ بيت خالٍ لكن ليس تماماً، فثمّة مجموعة كاملة من روايات إميل زولا، ووسامٍ مُنح لجدّ المؤلّف الأكبر بعد مقتله في الحرب العالمية الأولى، وبيانو ضخم يتوسط الصالون، وصور عائلية قُصّ منها وجه جدّته مارغريت، فقُصّ وجهها أو شُوّه. فمن الذي أراد "قتلها رمزياً" بمحو ذكراها؟ وما الذي جنته تلك المرأة لتستحقّ عقاباً كهذا؟ المرأة التي "يكاد يكون قبرها الأثر الوحيد الذي يدل على أنها قد عاشت وتنفسّت على مدى واحد وأربعين عاماً هواء الأحياء". يُضاف لغز الجدّة إلى لغز آخر استحوذ على ذهن الكاتب وخياله طيلة أربعين عاماً، وهو انتحار أبيه سنة 1983. من هنا تبدأ رحلة سردية تستكشف الطبقات العميقة للمسكوت عنه في تاريخ العائلة، وتستعيد حياة أربعة أجيالٍ سكنت ذلك البيت من منتصف القرن التاسع عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وعاشت حربين عالميّتين؛ رحلة في القلب منها مصاير ثلاث نساء.
ولمّا كان الكاتب لا يعرف من قصّة العائلة إلا أقلّ القليل، فإنّه يشدّد في مستهلّ الرواية على الطابع التخييلي لعمله، فيقول: "أنا لا أفعل سوى كتابة رواية. هنا، كل شيء افتراضات وتخمينات، لكنّني لا أختلق هذا العالم كلياً، بل أعيد تركيبه قطعة قطعة". ويحدّد كذلك باعث الكتابة لديه: "دوافعي العميقة هي إعادة بناء ذاكرة عائلية تطرح، ضمنيّاً، الأسئلة التي تلاحقني منذ كنت في السادسة عشرة، سنة انتحار أبي، حول ما الذي يدفع رجلاً مثله إلى إنهاء حياته، كما لو أنّ كلّ ما مرّ به منذ ولادته قد أعدّه لذلك. وكأنّه ما من صدفة أو ضربة قدر قد تدّخلت في الأمر، بل كان كلّ ذلك نتيجة منطقٍ رياضي صامتٍ لا يُدحض، وُضع قبل ولادته، مع أمّه مارغريت، أو حتّى قبلها، مع جَدّه جول، أو جدّته ماري-إرنستين".
يتأمّل بعمق قضايا الذاكرة والإرث العائلي وسطوة التقاليد
ينسج الكاتب خيوط السرد انطلاقاً ممّا بقي في البيت المهجور من أثاث ومتعلّقات شخصيّة، محوّلاً تلك الأشياء البسيطة إلى آثارٍ حيّة تصله بماضي أسلافه وتمنحه المادة التي سيعيد منها كتابة تاريخ العائلة. في قلب هذا التاريخ نجد الجدّة الكبرى ماري-إرنستين (1885-1949)، عازفة البيانو الموهوبة التي كانت تستعد لمتابعة دراسة الموسيقى في باريس، مدفوعة بعشقها لأستاذها الشاب، لكنّ والدها فيرمان يجهض حلمها بإجبارها على زواج مدبّرٍ غايته الحفاظ على ثروة العائلة، وتتحوّل ليلة زفافها إلى مشهد اغتصاب مُقنّع وجرح غائر لن يندمل أبداً. وحين يقتل زوجها جول في الحرب، تهجر ابنتها الصغيرة مارغريت (1913-1954) وترسلها للعمل في متجر تتعرّض فيه للاغتصاب وهي في الثالثة عشرة من العمر. تكبر مارغريت وتتزوّج من أندريه، جدّ المؤلّف، الذي يُجنّد للقتال في الحرب العالمية الثانية، ويقع في الأسر. وخلال سعيها لمعرفة مصيره تتورّط في علاقة مع أحد ضبّاط الاحتلال النازي، جالبة الخزي والعار لعائلتها.
لا يقفز موفينييه عن أي من الوقائع المفصلية في تاريخ العائلة، فيرسم بدقّة بالغة وجرأة كبيرة لامَه عليها بعض منتقديه، كثيراً من المشاهد واللوحات الحيّة والمؤثّرة التي تتجلّى فيها براعته السردية وقدرته على النفاذ إلى أعماق الشخصيّات، مثل مشهد ليلة زفاف ماري-إرنستين، ومشهد الضابط الألماني الذي يعود بعشيقته مارغريت ثملة إلى البيت ويجبر الأمّ على العزف لابنتها (حلم راودها طيلة حياتها دون أن يتحقّق)، ثم يغادر مؤدياً التحية النازية، ومشهد انتحار مارغريت المتخيّل، وجنازة الجدّ الأكبر فيرمان، وحياة الرجال في الخنادق أثناء الحرب، وانتقام النساء وترؤّس الجدة الكبرى جان-ماري (1860-1933) العائلة في غيابهم، بعد أن كانت "منذورة لصنع المربّى ورفو الجوارب"، ومشهد إذلال مارغريت في الساحة العامة وحلق شعرها بعد تحرير فرنسا صيف 1944، والذي تكشّف لنا خاتمة الرواية أنّ ابنها، والد المؤلّف، قد شهده وهو في السابعة من العمر.
لا يسعى موفينييه إلى توثيق تاريخي أو إلى إعادة إنتاج حقبة زمنية، بل يستحضر الماضي ليتأمّل بعمق قضايا الذاكرة والزمن والإرث العائلي وسطوة التقاليد، ومكر التاريخ؛ يفعل ذلك بلغة متدفقة، وجُمل طويلة متشعبة، تتتبّع حركة الذاكرة في تردّدها وانعطافاتها المراوغة، وسعيها لاستنطاق "قلعة الصمت" التي شيّدت حول ماضي الأسلاف، وإصرارها على إنقاذ حيواتهم المنسية، ووجوهم الممحوّة في الصّور. فيؤثّث "البيت الخالي" بأطياف الغائبين "وأصواتهم التي تتحدّث، تهمس، تكذب، تحبّ، وتسكت"، ويترك لمخيّلته أن تملأ فجوات الذاكرة، معيداً ما انقطع من صلات بين الأجيال، ومتقصّياً جذور المأساة.
لا يخرج القارئ منها "خالياً"، بل محمّلاً بكثير من ذكريات الموتى وهواجس الأحياء التي سترافقه طويلاً، كما عاشتها أربعة أجيال خلال العمل، وكثيرٍ من الأسئلة عن سحر الأدب وفتنة اللّغة والسرد وقدرة المخيّلة على هزيمة النسيان.
* شاعر ومترجم من الأردن