يُسارع عنوان رواية الكاتبة اللبنانية حنان ضيا "خارجات على الغريزة" (دار المؤلّف، بيروت، 2026) إلى تقديمها وربّما تفسيرها. إنها، على نحو ما، عنوانها، لكن ذلك لا يكفي للدخول إليها. يعثر القارئ على فحوى هذه الغريزة في مقطع من الرواية، يستدلّ منه أن تلك هي غريزة الأمومة. ناديا التي ترفض الإنجاب مثَلٌ عليه، لكن ناديا ليست البطل الرئيسي، وقد يكون ذلك عائداً إلى هذا الرفض. جلنار وهالة أكثر منها حضوراً في الرواية، وهما رغم قلقهما تجاه الأمومة وحيرتهما إزاءها، لا ترفضانها، وترتضيان بها. مع ذلك، فإنّ شيئاً يُشبهها يُعكّر صفوهما العائلي، الاثنتان لا تسلّمان به، لكن ذلك جزء من قلق آخر، قلق تجاه الزواج والبيت العائلي. البيت الذي سلمتا أخيراً به، لا يلبث أن يغدو مصدراً لتساؤل وحيرة تجاه الموضوع كلّه.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
لكنّهما هذه المرّة لا تخرجان عنه، بل هما، وقد ارتضتا به على مضض، سرعان ما تقودهما العادة والمجتمع إلى الدفاع عنه، وإلى التضحية، التي هي أحياناً كبيرة، لإبقائه وحفظه. ليس دافعهما إلى ذلك سوى التقليد الاجتماعي والسمعة الخارجية. يكفي أن نستشهد بهالة التي من أجل الزواج لا تلبث أن تقبل، ليس فقط بأن يكون لزوجها عشيقة، وإنما أيضاً طلب الزوج بأن تحضر الزوجة والعشيقة معاً في حياته.
محاولة كشف التناقضات الاجتماعية التي تحكم حيوات النساء
ترضى هالة بمشاركة زوجها وعشيقته، وقد يكون حبّ المغامرة أحد دوافعها، لكن قبولها يرتبط أساساً بتمسّكها بالزواج والعائلة وخوفها من تفكك البيت وخسارة أسرتها. ومع ذلك، يثير موقف العشيقة تجاهها قلق هالة ويزيد من اضطراب علاقتها بالزوج. أما ساهر، زوج جلنار، فتثير تصرفاته شكوك زوجته بشأن وجود علاقة أخرى في حياته. ومع ذلك، فإن البطلتين الرئيسيتين لا ترفضان الإنجاب أو العائلة، بل تقبلان بهما رغم التردد والقلق، ولا تبتعدان عنهما إلا تحت تأثير أزمات أخرى تتصل بعلاقاتهما وحياتهما الزوجية.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
يمكننا هنا القول إن الغريزة ليست الأمومة فقط كما توحي الرواية، أو تدعيه الصراحة في عنوانها. رواية حنان تتوقف طويلاً عند هذا، بل تعمد إلى دراسته وتحليله. للرواية هدف دراسي، إنها في غير موقع تعود إلى التاريخ وإلى العلم لتُبرهن أن الأمومة ليست، بالضرورة، غريزة حقيقية. ثمّة من يخرُجنَ عليها، التاريخ الياباني يحوي ملكات لا يبالين بها، وقُمن بتسميم أولادهنّ وقتلهم أو حبسهم، كما أن هناك قبائل قتلت أطفالها.
هنا تبدو الرواية مبحثاً اجتهدت ضيا فيه لتفحص ذلك وتدرسه في التاريخ والعلم. ذلك لم ينقص من روائية النص، بالأحرى أغناها وأعطاها عمقاً إضافياً، مع ذلك فإن الرواية لا تني تعالج المسألة دون أن تبُتّ بها. تجتهد لتبرهن أن الأمومة ليست بالضرورة بديهية كغريزة، بل هناك ما ينفي ذلك في التاريخ والعلم. مع ذلك فإن واحدة من ثلاث من بطلات الرواية، هي الخارجة على الغريزة، وسواها، الاثنتان الباقيتان، أنجبتا وتُكافحان للحفاظ على البيت والعائلة. ذلك لا يمنع من أن تكون الرواية ذات قضية، أو أن تكون رواية قضية.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
القضية، وإن اتّسمت بالأمومة، تبقى أوسع منها. إنها العائلة والبيت والزواج باختصار، إنها مسألة المرأة والأم. هنا بالتالي تبدو الأمومة قدراً والعائلة حُكماً. الرواية هي رواية نساء بالدرجة الأولى. المرأة هي المحكومة بالأمومة والبيت والعائلة. الرواية بدءاً من عنوانها رواية نساء، وقضيتها هي الأمّهات وعائلاتهنّ. لكن المرأة في الرواية ليست وحدها. لكل امرأة رجُلها، هناك سليم لهالة، وساهر لجلنار، ورجال ناديا العديدون. لكن إذا كان البيت والعائلة هما قدر المرأة، فإن الرجل لا يكتفي بهما. ساهر وسليم يخرجان على البيت والعائلة، هذا الخروج بديهيّ للرجال، إنه خصيصة لهما، خصيصة لا تلبث المرأة أن ترضى بها.
لا نجد في الرواية نساء ذوات عشّاق خارج الزواج، لا يبدو أن هذا واحد من خصائصهنّ. إنهنّ على العكس يرتضين سلوك الزوج أو يسكتن عنه، وأحياناً لا يمانعن الاشتراك به حرصاً على البيت. رواية حنان ضيا بذلك نقدٌ للبيت والعائلة، بقدر ما هي نقد للرجل الذي يخرج عليهما. إذا لم تكن الأمومة غريزة، فإن النساء، مع ذلك، لا يتوقّفنَ عن الإنجاب. لكن الخيانة غريزة الرجل بالتأكيد، غريزة تنتهي بأن تقبل المرأة بها، بل وتشارك فيها. لنقل إن الرواية هي بذلك رثاء للمرأة، دفاع عنها ضدّ نظام يجعل من أمومتها وزواجها وبيتها أعباءً لها وقدراً.
* شاعر وروائي من لبنان