الأشياء الصغيرة الكبيرة

26 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 12:36 (توقيت القدس)
عيسى زيدان/ سورية
+ الخط -
اظهر الملخص
- تتناول الرواية العربية قضايا الإنسان اليومية البسيطة مثل المأكل والملبس والعلاقات الاجتماعية، بدلاً من التركيز على القضايا الكبرى كالسياسة والاقتصاد، مما يعكس طبيعة الحياة البشرية الحقيقية.
- تواجه الرواية العربية تحديات في التعبير عن الحب والعلاقات الشخصية، حيث يتم تجاهل أو تحقير هذه المواضيع، خاصة في سياق التعبير النسائي، مما يعيق تطور الأدب الروائي.
- القصة القصيرة العربية بدأت تتجاوز هذه التحديات، حيث تركز على مشاغل الحياة اليومية، مما يمنحها مكانة هامة في الأدب العربي، كما أشار فرانك أوكونور.

أين هو الإنسان إذن؟ أيهما يعبّر عن طبيعتنا البشرية أكثر من الآخر في الرواية، وفي الحياة؟ ما هي الهموم الحقيقية التي قد لا تظهر على سطح الحوادث اليومية، بينما تعيد بناء، أو تهديم، الحياة الإنسانية لكلّ فرد من أفراد المجتمع؟ هل يعبّر الرجل، أو المرأة، المهجوس بأي قضية كبيرة من القضايا التي تلاحق مصائرنا، أم الرجل العادي الذي يبحث عن مأكله وملبسه وحياة عائلته وتعليم أولاده، وأكلهم، ولباسهم، وعلاقته مع جيرانه وأصحابه عن هموم الإنسان؟ سمعت وقرأت أننا لا نستطيع العيش البسيط في الحياة، دون أن تتوفر لنا أسباب هذا العيش، لأن العيش هو أكثر مشاغل الإنسان قوة، العيش بمعنى أن نظل أحياء، ونستمر كذلك، وإذا كان ثمة من يعرقل هذا العيش، فإن واحدة من مهام الكاتب أن يتحسّس مشكلة الإنسان، بل إنساننا، إنسان الرواية العربية.

ولكن الحقيقة البسيطة في حياتنا اليومية تقول إن كل واحد من بيننا ينشغل في يومه بالمسائل والأشياء الصغيرة، لا بقضايا السياسة والاقتصاد والكون والوجود. فلا أحد يمضي يومه وهو يفكر في السياسة، أو الاقتصاد، أو قضايا البيئة، بمن في ذلك رجال الحكم والسياسة طبعاً، والفكرة هنا تعني المجموع العام للبشر. فنحن نسأل عن المأكل صباحاً وظهراً ومساءً، أي إن أسئلة الطعام تأخذ حيزاً واسعاً من يومنا، ومثل ذلك سؤالنا عن اللباس، والنوم، والاستيقاظ، والجيران، وكلام الناس، والأهل، وصحة الوالدين والعمات والخالات وأبناء العم، والعزاء، والمشاركة في الأفراح. سلسلة طويلة من اليوميّ والعابر من الصعب حصرها من جهة، ومن المستحيل التخلي عنها من جهة ثانية.

ما العمل إذن؟ قلما واجه الروائي العربي هذا الموضوع، الحب مثلاً لم يكن موضوعاً أثيراً في الرواية العربية، الحب البسيط الصافي بين رجل وامرأة، ولم يحفل النقد كثيراً برواية النساء اللواتي تحدثن فيها عن مأساتهن الشخصية في العلاقة مع الرجل، الزوج، أو الأب، أو الأخ، بل إن أصواتاً ذكورية كثيرة من صحافيين ونقاد صغار حاولوا تشويه الصورة، حين أطلقوا على رواية المحنة النسائية، اسم: رواية المطلقات. بالنظر إلى الموضوع وحده بالطبع، إذ لا نناقش هنا القضايا الفنية التي تطاول كل الروايات، بصرف النظر عن جنس الكاتب. إذ كانت الاعتراضات في تقديري تأخذ بعدين: منع المرأة من التعبير، واحتقار الموضوع الشخصي.

منع المرأة من التعبير، واحتقار الموضوع الشخصي

سبق لفرانك أوكونور أن كتب في "الصوت المنفرد": إن الآثام الصغيرة هي التي تهدم الشخصية الإنسانية، وليست الآثام الكبيرة.

ربما تكون القصة القصيرة المكتوبة بالعربية، هي النوع الأدبي الذي استطاع أن يتجاوز هذه المحنة التي تواجهها الرواية، ويعجز عن تجاوزها الروائي، ففي كثير من القصص، وهي نوع أدبي بدأ يأخذ مكانة هامة في الكتابة العربية، باتت مشاغل اليومي، هي التي تتجه نحوها الكتابة القصصية، وإذا ما نضج هذا الأمر، فإن القصة ستكون قد تبوأت مكانتها الحقيقية، كونها "قصة الرجل المغمور" كما أشار إلى ذلك أوكونور حيث يظهر أن "العدالة" في حياة شخص اسمه "أكاكي أكاكيفتش" هي أن يستعيد معطفه المسروق كي يتقي برد الشتاء.

* روائي سوري

تيسير بركات، الأردن
موقف
التحديثات الحية