الأرشيف العراقي للمطبوعات خارج السرد الرسمي

03 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
لوحة للفنان العراقي ستار لقمان (غلاف مجلة آفاق عربية، العدد السابع/ 1985)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- "الأرشيف العراقي للمطبوعات" هو مشروع ثقافي أطلقه محمد يعرب في 2021 على إنستغرام، يضم أكثر من 8000 مادة مطبوعة، بهدف استعادة النقاشات الفكرية والسياسية في تاريخ العراق الحديث.
- يكشف الأرشيف عن الفراغ الذي صنعته الحروب والرقابة في الثقافة العراقية، مسلطاً الضوء على أصوات ونقاشات كانت مهمشة ضمن السرديات الرسمية، مما يتيح قراءة تاريخ ثقافي وسياسي خارج منطق الشطب والانتقاء.
- يُظهر الأرشيف العلاقة المعقدة بين الثقافة والسلطة، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية، ويتيح استخدامات بحثية ومعرفية جديدة، مع مشاركة عراقيين في المنافي.

صور لأغلفة كتب ومجلات وصحف وأعمال فنية تشكّل مجتمعة أرشيفاً كثيفاً لمرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث يستعيد نقاشات وصراعات فكرية وسياسية ما زال بعضها حاضراً بأثره حتى اليوم، كأنها لم تُغلق بعد.

هذه المواد المطبوعة تمثل نواة مشروع "الأرشيف العراقي للمطبوعات"؛ المبادرة الثقافية التي أطلقها الباحث العراقي محمد يعرب على منصة إنستغرام في مطلع عام 2021، وتضم اليوم أكثر من ثمانية آلاف مادة بين مجلات وصحف وكتب ومنشورات مختلفة. ومن خلال هذا التجميع، لا يعيد المشروع إظهار ما اختفى من التداول فحسب، بل يفتح نافذة على كيفية تشكّل الخطاب الثقافي والسياسي في العراق، وعلى الدور الذي لعبته المطبوعات في صياغة الوعي العام وتوجيهه.


فراغ صنعته الحروب والرقابة

لا تبدو هذه المطبوعات العراقية القديمة، وهي تُستعاد اليوم في هيئة صور رقمية وملفات مؤرشفة، مجرد بقايا زمن مضى أو مواد للحنين الثقافي، بقدر ما تكشف عن فراغ طويل في سردية الثقافة العراقية نفسها؛ فراغ صنعته الحروب المتلاحقة، والحصار والرقابة والمنفى وانهيار المؤسسات.

مبادرة ثقافية أطلقها الباحث العراقي محمد يعرب عام 2021

في الحالة العراقية، يصعب النظر إلى الأرشيف بوصفه مساحة محايدة، فالكثير من المطبوعات التي يعمل المشروع على استعادتها، خصوصاً الصحف الحزبية والمجلات الفكرية والثقافية المستقلة قبل السبعينيات، تعكس صراعات حادة دارت في المجتمع، وجرى لاحقاً إقصاؤها أو تهميشها ضمن سرديات رسمية مختزلة. إعادة أرشفة هذه المواد اليوم تعني، ضمنياً، إعادة فتح ملفات أُغلقت قسراً، وإتاحة فرصة لقراءة تاريخ ثقافي وسياسي خارج منطق الشطب والانتقاء.

الصورة
من أرشيف مجلة ألف باء العراقية
من أرشيف مجلة ألف باء العراقية

من خلال أرشفة مجلات قديمة مثل "ألف باء"، و"العالم"، و"آفاق عربية"، إلى جانب الصحف الحزبية والثقافية، يُسلّط المشروع الضوء على أصوات كادت أن تُنسى، وعلى نقاشات كانت في صميم المجال العام العراقي في لحظات مفصلية.


الثقافة والسلطة

تكشف المواد التي يضمها "الأرشيف العراقي للمطبوعات" عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الثقافة والسلطة، خصوصاً خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وكيف تحولت المطبوعات إلى أدوات مركزية في إنتاج الخطاب الرسمي وإعادة تدويره بصرياً ونصياً. أحد هذه النماذج غلاف العدد التاسع من مجلة "آفاق عربية"، المنشور عام 1985، تصدّرته لوحة للفنان فائق حسن تُظهر صدام حسين على حصان أبيض، رافعاً يده في إيماءة قيادية، مرتدياً الزي العسكري، وخلفه مشهد يوحي بسياق معركة تتداخل فيه عناصر العمل والإحالة التاريخية إلى معركة القادسية. لا تُقدَّم الشخصية هنا بوصفها قائداً عسكرياً معاصراً فحسب، بل باعتبارها امتداداً لرواية تاريخية كبرى، يجري استدعاؤها بصرياً لربط الحرب الراهنة بمخيال البطولة والانتصار. 

الصورة
من أرشيف الملحق الأسبوعي لجريدة الثورة العراقية
من أرشيف الملحق الأسبوعي لجريدة الثورة العراقية

إلى جانب الصور والمجلات، يحتفظ الأرشيف بنماذج نصية لا تقل دلالة، من بينها كتاب "المنظور الفكري عند الرفيق القائد صدام حسين"، من تأليف فارس عبد الله بدر، وتصميم غلاف سامي الربيعي، والصادر في طبعته الأولى عام 1986. يمثل هذا الكتاب مثالاً نمطياً للكتابة الفكرية السياسية التي أنتجتها مؤسسات الدولة في ثمانينيات القرن الماضي، حيث يُقدَّم الرئيس العراقي شخصية سياسية وقائداً مفكراً يمتلك رؤية فكرية شاملة، يجري تفكيكها وتأطيرها نظرياً.

تُظهر هذه النماذج، بصرية ونصية، أن الأرشيف العراقي للمطبوعات لا يقتصر على حفظ ما هو ثقافي بالمعنى الضيق، بل يحتفظ أيضاً بسجل كثيف لآليات السلطة في إنتاج المعنى، وكيف جرى تطويع الفن والفكر والصحافة والكتاب لخدمة سردية واحدة.

يكتسب المشروع بعداً إضافياً من طبيعة المشاركين فيه، فجزء معتبر من المطبوعات التي يجري جمعها محفوظ لدى عراقيين في المنافي، ممن حملوا معهم مجلات وصحفاً ووثائق عند مغادرتهم البلاد، طوعاً أو قسراً. وهكذا، يتحول الأرشيف إلى مساحة تلاقٍ بين الداخل والخارج، بين ذاكرة بقيت تحت ضغط الواقع اليومي، وأخرى نجت لأنها غادرت. ومن هنا، لا يبدو الأرشيف مجرد مشروع توثيقي، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين أجيال فرّقتها السياسة والمنفى والحرب.

هذه الطبيعة الرقمية للمشروع من شأنها أن تتيح استخدامات بحثية ومعرفية لم تكن ممكنة في السابق، من تتبع التحولات اللغوية والخطاب الصحافي، إلى دراسة حضور موضوعات بعينها عبر عقود مختلفة. كما يفتح الباب أمام اشتغالات أكاديمية وفنية، تعيد قراءة الماضي من منظور الحاضر، وتفكك مادته وتعيد تركيبها في صيغ جديدة.

فنون
التحديثات الحية