الأدب تحت الاختبار: بين الصدمة وإعادة تخييل العالم

08 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:42 (توقيت القدس)
باتريك شاموازو، 22 يونيو 2016 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يرى إدوار لوي أن الأدب يجب أن يتجاوز تمثيل الواقع إلى تغييره، حيث يعتبره أداة صراع رمزي واجتماعي، داعياً إلى "أدب المواجهة" الذي يجبر القارئ على رؤية ما لا يريد رؤيته.

- يربط لوي بين الوعي الاجتماعي والعاطفة في الأدب، مهاجماً المعايير التي تقصي العاطفة، ويدعو إلى تفكيك جماليات الثقافة الشعبية لمواجهة قيود الثقافة السائدة.

- باتريك شاموازو يرى أن الأدب يزعزع السلطة ببطء من خلال إيقاظ "الحالة الشعرية"، داعياً إلى أدب مفتوح على التنوع والاختلاف، ومؤكداً على أهمية التربية الجمالية المبكرة للأطفال.

"لا وزن لروايتي ’الغثيان’ أمام طفل يموت". بعد أكثر من ستة عقود على عبارة سارتر الشهيرة هذه، يتجدّد اليوم السؤال الملحّ عن دور الأدب في عالم تطحنه الحروب والكوارث، وزمنٍ تتعاظم فيه سطوة وسائط رقمية تفرض نفسها بوصفها أدوات المعرفة الأكثر فاعلية حتّى بات الأدب عرضة لاختبار دائم.

وامتدّ هذا الاختبار ليشمل فعل القراءة نفسه، فما يفرض اليوم نفسه هو سؤال الوظيفة والمعنى: لماذا نحتاج إلى الأدب الآن وما جدواه؟ وهو السؤال الذي سعى للإجابة عنه عدد من الكتّاب المعاصرين، من بينهم الكاتبان الفرنسيان، إدوار لوي في سلسلة حوارات ضمّها كتابه: "ماذا نفعل بالأدب؟ تأمّلات وبيان" (فلاماريون، 2025) وباتريك شاموازو في كتابه "ماذا يستطيع الأدب حين يعجز؟" (منشورات لو سوي، 2025).


أدب المواجهة

ينطلق إدوار لوي من موقف فكري وسياسي واضح يرى أنه لم يعد يكفي أن يمثّل الأدب الواقع أو يشرحه، بل ينبغي أن يسعى لتغييره. فالأدب، في نظره، ليس فضاءً محايداً للمتعة أو للتأمل الجمالي، بل أداة صراع رمزي واجتماعي لها القدرة على مقاربة الواقع بقدر من الصدق والحدة والتأثير الوجداني لا تتيحه المقاربات العقلانية البحتة. ولهذا يدافع عن الأدب، بوصفه الوسيلة الأقدر على التعبير عن العنف البنيوي في المجتمع، حيث تتكشّف علاقات القهر والإقصاء في تفاصيل الحياة اليومية، وذلك لامتلاكه الأدوات اللغوية والسردية والطاقة الإيحائية التي تمكّنه من قول ما تعجز عن قوله اللغة النظرية.

يربط لوي الوعي الاجتماعي بحضور العاطفة في التجربة الأدبية

ويربط لوي بين الوعي الاجتماعي وحضور العاطفة في التجربة الأدبية، مهاجماً ما يسميه "معايير الأدب" غير المرئية، أي تلك القواعد المضمَرة التي تُقصي العاطفة وعناصر السيرة الذاتية والمباشرة السياسية، وتمنح الشرعية لأشكال كتابية بعينها تنتمي غالباً إلى الذائقة البرجوازية. فالتعبير العاطفي لا يُقصى، وفقاً للكاتب، لأسباب جمالية بريئة، بل لأنّ وراءه أجساداً وتجارب إنسانية محدّدة: تجارب الفقراء والمهمّشين من النساء والرجال. وعليه، فإن الصراع حول تعريف الجمال والفن ليس سوى امتداد للصراع الطبقي. فالفنون المرتبطة بالثقافة الشعبية تُحقّر لأنها مشدودة إلى الجسد والعاطفة، فيما تُمنح الشرعية للأشكال "الرصينة" التي تفضّلها الطبقات المهيمنة. هكذا يُنظر إلى الروايات العاطفية، والميلودراما، والمسلسلات الشعبية بوصفها فناً "أدنى"، لا لضعفها الجمالي فحسب، بل لأنها تعبّر عن عالم اجتماعي مُهمَّش.

غير أنّ لوي لا يدعو إلى تبنّي جماليات الثقافة الشعبية بشكل آلي أو شعبوي، بل إلى تفكيكها وإعادة توظيف عناصرها في مواجهة قيود الثقافة السائدة. فالتحدّي الحقيقي، في نظره، يكمن في العثور على "النبرة الصائبة" التي تسمح بتحرير العاطفة دون السقوط في الابتذال.

وهو يرى أن الكتابة التي لا تُحدث أثراً وجدانياً لا تفعل سوى إعادة إنتاج اللامبالاة. لذلك يقترح ما يسمّيه "أدب المواجهة"، الذي لا يخبر القارئ بما يعرفه سلفاً، بل يجبره على رؤية ما لا يريد رؤيته. يقول: "لا تكمن المشكلة في أن رغبة الناس في أن يروا قليلة، بل في حرصهم على ألّا يروا. ومن ثم فإن قضية الفن هي أن يُجبرهم على الرؤية. في الحقل الأدبي توجد كلمات تعوق التفكير؛ وقد أشرتُ إلى بعضها: كلمة "التلصّصية" واحدةٌ منها".

وفي سبيل بلوغ غايته، على أدب المواجهة أن يستلهم جماليات المظاهرات الشعبية، بحركتيها وشعاراتها المباشرة والصادمة التي تقوم على التكرار وحدّة الإيقاع.


إيقاظ الحالة الشعرية

غير أنّ هذا الطرح لا يخلو من إشكالات كما رأى منتقدو إدوار لوي، أبرزها نبرته الأخلاقية والانفعالية العالية. فالدعوة إلى إكراه القارئ على التأثّر قد تختزل الأدب في خطاب تعبوي مباشر، وتُحدّ من حريته في تأويل النصّ مثلما تثير السؤال عن الغموض وتعدّد القراءات، بوصفهما عنصرين أساسيين في جماليات التجربة الأدبية.

يرى شاموازو أن الأدب يزعزع السلطة ببطء ولا يواجهها مباشرة

أمّا باتريك شاموازو، فيقترح تصوراً أقلّ صدامية، لكنّه لا يقلّ عمقاً. يرى باتريك شاموازو أن العالم يقف على حافة لحظة حرجة، تتقاطع فيها أخطار كبرى: صعود الفاشيات الجديدة، التدهور البيئي المتسارع، توحّش الرأسمالية، والتهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي. لكن لا يدّعي شاموازو أن الأدب قادر على تغيير العالم مباشرة، لكنه يمنحه وظيفة أكثر خفاءً: إيقاظ "الحالة الشعرية"، أي تلك القدرة على الإحساس بتعقيد الواقع، ورؤية ما يتخفى خلف الظواهر البديهية، وفتح المجال أمام بدائل جديدة لمواجهة التوحش الرأسمالي والانغلاق الأيديولوجي، وهيمنة الخوارزميات العمياء التي تختزل الإنسان إلى محض كائن استهلاكي. وهنا، لا يواجه الأدب السلطة وجهاً لوجه، بل يزعزعها ببطء، وذلك بإعادة صياغة الحساسية الإنسانية، وتحرير طاقة الخيال والدهشة. لكن هذا يقتضي، حسب الكاتب، رفض فكرة "الكونية" الغربية الموحّدة، التي تعيد إنتاج التماثل والهيمنة، وتبني أدب مفتوح على التنوّع والاختلاف بوصفهما من شروط الإبداع لا تهديداً ينبغي احتواؤه، "حيث تُحدث كلّ تجربة أدبية هزّتها الخاصة، متفاوتة في شدّتها، وفي طابعها المفاجئ أو غير المتوقع، أو المشكوك فيه أو القابل للمساءلة، داخل نسيج من التفاعلات المتبادلة المتداخلة، بلا حدود ولا تقويم زمني".

ويؤكد أن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون تربية جمالية مبكرة، تُعرّض الأطفال للكتب والفنون والشعر، لأن المعرفة العلمية تبقى عقيمة إن لم تسندها مخيّلة حيّة وحساسية مفتوحة. وأمام تفكك التنظيمات التقليدية للعيش المشترك، من أحزاب ونقابات، يرى شاموازو أن التحدي يكمن في ابتكار سياسات لا تقوم على الهوية المغلقة أو الخوف من الآخر، بل على صيغ جديدة للتآلف والتعاون، في عالم لم يعد يحتمل العزلة أو الانكفاء على الذات.

ولا يبدو أن ثمة تعارضاً حاسماً بين رؤية لوي وشاموازو بقدر ما يتشكّل بينهما توتّر ضروري؛ فالأول يراهن على الصدمة والتأثير الفوري، أما الثاني فيعوّل على التحويل البطيء وإعادة تخييل العالم. وفي زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالسرعة والنتيجة، يذكّرنا هذا التوتّر بأن الأدب لا يغيّر العالم كما تفعل السياسات العامة أو الثورات، لكنه يغيّر الطريقة التي نفهم بها العالم، ويعيد تشكيل وعينا تجاه المعاناة والظلم والاختلاف.

لا تكمن جدوى الأدب اليوم في إنقاذ طفل يموت، بل في مقاومة الشروط التي تجعل موته ممكناً، وفي القدرة على إبقاء باب المعنى مفتوحاً في عالمٍ يوشك أن يُختزل في المنفعة وحدها. وليس الدفاع عن الأدب دفاعاً عن فن مهدّد، وإنقاذ مؤسسة ثقافية آيلة إلى الزوال، بل هو دفاع عن ضرورة إنسانية وحيز من الحرية يمنح التجربة الإنسانية لغة لا تُختزل في حسابات الجدوى وقدرة على مقاومة التسليع.