افتتاح الدورة الكبرى في تاريخ معرض القاهرة باحتفاء رسمي وأسئلة معلقة

20 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:20 (توقيت القدس)
من الدورة السابقة، القاهرة 24 يناير 2025 (دعاء عادل/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- معرض القاهرة الدولي للكتاب يشهد مشاركة واسعة من 1457 دار نشر من 83 دولة، مع تداخل واضح بين الثقافة والسياسة، مما يثير تساؤلات حول دوره الحقيقي كاحتفال بالقراءة أو منصة مهنية أو واجهة ثقافية.

- اختيار نجيب محفوظ كشخصية المعرض أثار نقاشاً حول الاستسهال الرمزي في تكريم الشخصيات الثقافية، مع تساؤلات حول جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية وجدوى تكرار الاسم دون رؤية نقدية جديدة.

- الجانب الاقتصادي لصناعة النشر يظل غائباً عن الخطاب الرسمي، مع تحديات تتعلق بأسعار الكتب وتكاليف الطباعة، وملف منع دور النشر يعكس مناخاً من الغموض ويعزز فكرة المعرض كأداة ضبط.

قبل انطلاق دورته السابعة والخمسين، غداً الأربعاء، يبدو معرض القاهرة الدولي للكتاب ساحةً مفتوحة لسجالات مبكرة، تتقاطع فيها البيانات الرسمية، والتصريحات الإعلامية، ومنشورات المثقفين على فيسبوك، في مشهد يعكس التوتر بين ما يقدَّم بوصفه إنجازاً ثقافياً، وبين ما يُثار حوله من أسئلة تتعلق بالتمثيل، والاختيارات، وحدود الدور الثقافي الرسمي.

من حيث الشكل، لا خلاف على أن الدورة الجديدة تُقدَّم بوصفها الكبرى في تاريخ المعرض، إذ تشارك فيه هذا العام 1457 دار نشر من 83 دولة، وأكثر من 1600 عارض، ومئات الفعاليات، وحضور دولي مكثف، وضيف شرف أوروبي هو رومانيا. لكن خلف هذا السرد الكمي، تبرز أسئلة نوعية لا تتعلق فقط بما سيُعرض داخل القاعات، بل بالكيفية التي يُعاد بها تعريف المعرض نفسه، هل هو احتفال بالقراءة؟ أم منصة مهنية لصناعة النشر؟ أم واجهة ثقافية للدولة؟ أم مزيج غير محسوم من كل ذلك؟ 

اللافت في أغلب البيانات الصادرة عن وزارة الثقافة وهيئة الكتاب، أو حتى خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الثقافة المصري قبل أيام في دار الأوبرا، أن المعرض يُقدَّم بصفته امتداداً للخطاب السيادي للدولة. رعاية رئيس الجمهورية تُذكر في كل مناسبة تقريباً، والتأكيد على ريادة مصر الثقافية يتكرر بوصفه لازمة خطابية، فيما يجري ربط الدورة بافتتاح المتحف المصري الكبير، في محاولة لإدراج المعرض داخل خطاب الإنجازات الكبرى. هذا التداخل بين الثقافة والتمثيل السياسي ليس جديداً، لكنه في هذه الدورة يبدو أكثر وضوحاً، سواء عبر لغة البيانات، أو عبر طبيعة الفعاليات الافتتاحية والختامية، التي تتجه نحو الاستعراض الفني واسع النطاق، على حساب الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالكتاب نفسه، مثل الإنتاج، والتوزيع، والأسعار، وحرية النشر، وتنوع الأصوات. 


نجيب محفوظ.. لافتة جاهزة! 

اختيار نجيب محفوظ شخصية المعرض فتح باباً للنقاش قبل الافتتاح. فبينما دافعت إدارة المعرض عن الاختيار بأنه جاء متأخراً، إذ لم يحدث من قبل تكريم شخصية محفوظ في هذه التظاهرة، رأى آخرون أن اللجوء المتكرر إلى محفوظ، في الجوائز والاحتفالات، يعكس نوعاً من الاستسهال الرمزي، والاكتفاء بأيقونة مضمونة الإجماع نالت اعترافاً دولياً بحصولها على جائزة نوبل.

 يظل السؤال الاقتصادي المتعلق بأزمة صناعة النشر غائباً

الجدل لم يتوقف عند الشخصية، بل امتد إلى جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية التي أعلن عنها منظّمو المعرض بقيمة نصف مليون جنيه، في ظل وجود جوائز أخرى تحمل الاسم نفسه، مثل جائزة الجامعة الأميركية، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة. هنا، لم يكن الاعتراض على القيمة المالية، بل على غياب التمييز المفاهيمي بين الجوائز، وتشابه الشروط، وتضارب التوقيتات، بما يطرح سؤالاً حول جدوى تكرار الاسم نفسه دون رؤية نقدية جديدة. تعليقات بعض الكتّاب والروائيين على فيسبوك، لم تكن مجرد سخرية عابرة، بل إشارة إلى أزمة أعمق في إدارة الرموز الثقافية، حيث يتحول الاسم الكبير إلى لافتة جاهزة، أكثر منه مدخلاً لإعادة قراءة التجربة الإبداعية له. 

من جهة أخرى، يظل السؤال الاقتصادي المتعلق بصناعة النشر غائباً تقريباً عن الخطاب الرسمي للدورة الجديدة. فأزمة أسعار الكتب، وتكاليف الطباعة، وانكماش القدرة الشرائية للقراء، كلها ملفات حاضرة بقوة في كواليس المعرض، لكنها نادراً ما تظهر في البيانات أو المؤتمرات الصحافية. المعرض، بالنسبة لعدد كبير من دور النشر، لم يعد احتفالاً سنوياً بالكتاب بقدر ما أصبح موسماً حاسماً للبقاء، تُعوَّل عليه مبيعات عام كامل في سوق مرتبك. 

ورغم الحديث عن "البرنامج المهني" وتبادل حقوق النشر والملكية الفكرية، لا تزال الأسئلة الجوهرية بلا إجابات واضحة، مثل عدم وجود آليات واضحة تدعم بها الدولة الناشر الصغير، وكيف تُضبط أسعار الورق؟ وكيف يمكن للمعرض أن يتحول من حل موسمي إلى جزء من سياسة ثقافية مستدامة؟ غياب هذه الملفات من النقاش العلني يخلق فجوة بين الصورة الوردية المعلنة، والواقع الذي يعيشه العاملون في صناعة الكتاب.


ضيف شرف خارج التوقعات 

أما بالنسبة لاختيار رومانيا ضيف شرف للدورة الحالية فيبدو أنه لاقى ترحيباً من الناشرين، باعتباره خروجاً عن الدوائر العربية والغربية التقليدية. البرنامج الروماني يبدو ثرياً نسبياً، عبر مشاركة خمسة عشر فناناً في مجالات الفنون البصرية والموسيقى والإبداع المعاصر، وعشر دور نشر رومانية تعرض أحدث الإصدارات. 

بعيداً عن الأرقام والاحتفاءات، يعود ملف منع دور النشر ليطفو مجدداً، هذه المرة عبر حالة دار "المرايا"، التي مُنعت من المشاركة للعام الثاني على التوالي، دون إعلان أسباب واضحة. هذه السياسة، التي يمكن وصفها بالتجاهل التام، تظل واحدة من أكثر النقاط إشكالية في تاريخ معرض الكتاب. فالمنع غير المعلن، بلا قرارات مكتوبة أو مسارات طعن واضحة، لا يخلق فقط مناخاً من الغموض، بل يرسّخ فكرة المعرض بوصفه أداة ضبط أو عقاب، لا مساحة ثقافية حرة ومتعددة الرؤى. وهو ما يتناقض جذرياً مع الخطاب الرسمي عن التنوير والحوار.

المساهمون