- تواجه الرواية السورية تحديات تتعلق بالولاءات المتنقلة، حيث لم تعد الهوية السورية مرجعاً أساسياً لبعض الروائيين، بل أصبحت الطائفة أو الدين أو المدينة هي المرجع.
- يثير النص تساؤلات حول مفهوم الروح القومية في الأدب العربي، وكيف يمكن للروايات أن تعبر عن الهوية الثقافية للأمم المختلفة.
من أين تأخذ الرواية اسمها؟ الرواية السورية، الرواية المصرية، والرواية العراقية، والرواية الفرنسية، أو الرواية الأميركية؟ فهل اسم الرواية هنا اسم جغرافي، أو قومي، أو وطني، إذا ما استخدمنا تعبيراً أكثر مباشرة، يمكن أن يناسب الوضع العربي؟
في رأي هينييغ كوهين المشرف على تحرير كتاب "معالم الثقافة الأميركية" فإن المعيار الذي قدمت من خلاله الكتب في مقالات الكتاب عن الثقافة الأميركية، هو مدى تعبير الرواية المختارة عن الروح القومية الأميركية، يذكر هذا صراحة، حين يختار الحديث عن رواية "رجل الثقة" لهرمان ميلفيل، بدل الحديث عن رواية "موبي ديك" الأكثر شهرة وحضوراً إبداعياً في الأدب العالمي، لأن الأولى هي التي تتضمن تعبيراً عن الروح القومية الأميركية. وبهذا يُخرج الرواية الأشهر، من نطاق التعبير عن الروح، من دون أن يتمكن من تعطيل انتمائها إلى الهوية الجغرافية، أو إلى التسمية السياسية، وهي الرواية الأميركية. وقد نكون هنا أمام موقف نقدي يفرق بين الهوية السياسية، أي حدود الدولة، وبين الهوية الثقافية التي يعبر الروائي فيها عن روح الشعب.
الرواية السورية باتت أمام تحدّ موضوعي يتعلق بالولاءات المتنقلة
ولكن ما هي الروح القومية؟ قد يتجه الرأي إلى موضوع التعبير، من جهة، وقدرة الرواية على تمثيل الروح القومية، من وجهة نظر الناقد، أو النقاد المشاركين في الدراسات والمقالات، فنياً في الرواية. والمشكلة التي ستعترض مثل هذا الموقف من الرواية، تطرح السؤال التالي: ما التسمية التي ستطلق على الروايات التي لا تعبر في رأي النقاد عن الروح القومية؟ وما هي الروح القومية، ومن يعرفها تعريفاً متفقاً عليه؟ ثمة من يقول إن الرواية الإنكليزية في القرن التاسع عشر، كانت تعكس حياة الطبقة الوسطى في إنكلترا، وهذا يعني أن حياة العمال، والفلاحين، والارستقراطية، وكبار الأثرياء من البرجوازية، ظلوا خارج نطاق اهتمامات الرواية؟ فهل هي رواية الروح القومية؟ وما هي الروح القومية المصرية أو السورية أو المغربية؟ أم أننا هنا في مواجهة أكبر حين يمكن الحديث عن روح قومية عربية؟ ومن من الكتّاب، أو ما اسم الرواية التي تعبر عن الروح المصرية إذا ما أخذنا روايتين لكاتبين مصريين: نجيب محفوظ في "الثلاثية"، وإدوار الخراط في "الزمن الآخر"؟ وكلاهما يكتب في السياق الذي يطلق عليه النقد وتاريخ الرواية اسم: الرواية المصرية.
بل إن رواية مثل "الوباء" لهاني الراهب، تختلف اختلافاً جذرياً عن رواية "حكاية بحار" لحنا مينة، وذلك لأن رؤية العالم لدى كل من الروائيين مختلفة، ومع ذلك تطلق تسمية "رواية سورية" على كلتا الروايتين. فأي رواية منهما تعبر عن الروح السورية؟ ولماذا؟ فالسورية مثلاً في السنوات الخمس عشرة الماضية، باتت أمام تحدّ موضوعي يتعلق بالولاءات المتنقلة، إذ لم تعد "سورية" لدى بعض الروائيين مرجعاً، بقدر ما باتت الطائفة، أو الدين، أو المدينة التي ينتمي إليها. وحيث باتت الرواية تعلن انحيازها إلى مجتمع ما أكثر صغراً من وطن، أو إلى نظام، أو معارضة، يواجه أحدهما الآخر في حرب عنيفة ترمي إلى تحطيمه!
* روائي من سورية