استعادة نبيل قانصوه.. لوحة الحرب من لبنان إلى فيتنام

08 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:33 (توقيت القدس)
جوانب من المعرض (العربي الجديد)

في صيف العام الماضي، خلال ندوة تناولت واقع الفن التشكيلي اللبناني في زمن الحرب الأهلية (1975-1990)، توقف القيّم الفني اللبناني صالح بركات عند مجموعة من الفنانين الذين واصلوا العمل رغم قسوة المرحلة وتعقيدات موضوعاتها. كانت الحرب قد فرضت على المشهد التشكيلي اللبناني أسئلة جديدة حول دور الفن، وقدرة الفنان على ترجمة أفكاره إلى لغة بصرية أبعد من التوثيق المباشر.

من بين الأسماء التي تناولها بركات حينها، حضر اسم الفنان التشكيلي اللبناني الأميركي نبيل قانصوه، أحد أبرز الأصوات المرتبطة بتيارات التعبيرية الجديدة، والذي بقي حضورُه في المشهد الفني اللبناني محدوداً رغم نضج تجربته في الغرب. فقد امتلك قانصوه مشروعاً فنياً امتد لأكثر من خمسة عقود، جمع بين القضايا الإنسانية الكبرى والتجارب التاريخية والشخصية.

من المعرض (العربي الجديد)
من المعرض (العربي الجديد)

"الظلام والنور" عنوان المعرض المقام حالياً في ملتقى دلول للفنانين ببيروت (المرفأ)، ويشكّل أول معرض فردي لعدد كبير من أعمال قانصوه (1940 -2019) في وطنه الأمّ. ويضمّ الجزء الأول من المعرض مجموعة مختارة من أعمال سلسلة "انقسام الحياة"، إلى جانب لوحات ومواد أرشيفية تمتد منذ سبعينيات القرن الماضي. من بين الأعمال المعروضة لوحات تناولت الحرب الأهلية اللبنانية بشكل مباشر، مثل "لبنان"، و"دوامات ملتهبة: لبنان صيف 1982- صبرا وشاتيلا".

لوحات ومواد أرشيفية تعرّف بتجربته منذ سبعينيات القرن الماضي

أما الجزء الثاني من المعرض، المقام في مؤسسة دلول للفن (قريطم)، فيقدم مجموعة الرسوم الكاملة من سلسلة "أوراق من مسرح الحرب"، التي أنجزها قانصوه خلال عقد الثمانينيات، وتضم أكثر من مئتي عمل ترصد وجوه العنف والمعاناة الإنسانية، ليس فقط في لبنان، بل في سياق أوسع من النزاعات التي شهدها العالم. تتميّز أعمال قانصوه بأحجامها الجدارية الكبيرة وألوانها النارية، حيث تهيمن درجات الأحمر والبرتقالي والأسود على مساحاته التصويرية، والتي قد لا تبدو مستساغة للجميع، بينما تمنح ضربات الفرشاة العنيفة لوحاته طاقة حركية تجعل المتلقّي يشعر بأنه داخل المشهد.

وُلد نبيل قانصوه في بيروت، ونشأ في منزل غني بالمراجع البصرية، قبل أن ينتقل إلى لندن للدراسة مطلع الستينيات، ومنها سافر إلى نيويورك، حيث درس العلوم السياسية وتاريخ الفن في جامعة نيويورك. وهناك بدأ مسيرته الاحترافية، حيث أسّس الاستوديو الخاص به في مانهاتن، والذي تحول إلى مساحة ثقافية جمعت فنانين وكتّاباً وموسيقيين ونقاداً، قبل أن يُقيم معرضه الفردي الأول عام 1971.

من المعرض (العربي الجديد)
اختصر علاقته بالفن بقوله "أعيش لأرسم" (العربي الجديد)

تأثّرتْ رؤية قانصوه بشدة بحرب فيتنام والحرب الأهلية اللبنانية، إضافة إلى أحداث عالمية أُخرى، لكنه ظلّ يعتبر الحرب تجربة إنسانية أوسع من محدّدات السياسة المباشرة. استلهم من غويا وبيكاسو ومن فنّاني الجداريات المكسيكيين، لكنه طور أسلوباً خاصاً يجمع بين التعبيرية والرمزية والسرد التاريخي. ورغم أن طبيعة أعماله السياسية والنقدية جعلته بعيداً أحياناً عن سوق الفن التجاري، فقد اختار قانصوه الحفاظ على استقلاليته، رافضاً تقديم الفن وفق حسابات السوق، إذ ظل الرسم بالنسبة إليه ضرورة وجودية، وكان يختصر علاقته بمقولة أثيرة: "أعيش لأرسم".