استعادة بيبي زغبي.. زهورٌ مقطوفة من حقل سماوي

25 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 26 ديسمبر 2025 - 16:34 (توقيت القدس)
من مجموعات: برتران فتال، وساندرا منصور، ودلول للفن (العربي الجديد/ بإذن المنظّمين)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بيبي زغبي: تُعتبر من الأسماء التأسيسية في الفن اللبناني، حيث دمجت بين الدقة التعبيرية والانطباعية الفرنسية، وركزت على الزهور كموضوع رئيسي في لوحاتها، مما يعكس روح البرية المتحركة.

- تأثير زغبي على الفن والثقافة: امتد تأثيرها إلى أجيال لاحقة، حيث شكلت لوحتها "الصبّار" مرجعاً للفنان نبيل نحاس، وألهمت مصممة الأزياء ساندرا منصور في مجموعاتها لعام 2022.

- الاحتفاء بذكرى زغبي: نظمت السفارة الأرجنتينية معرضاً في بيروت بذكرى مرور خمسين عاماً على رحيلها، تضمن لوحات مميزة أظهرت تباينات لونية واحتفاءً بالجسد الشعبي.

قد لا يكون اسم الفنّانة اللبنانية الأرجنتينية بيبي زغبي معروفاً كثيراً خارج قوس المشتغلين بالفنون مباشرةً، مع أنّ في سيرة حياتها، كما في اشتغالاتها، الكثير ممّا يُقال، حيث تشكّل استعادتُها نموذجاً عن مرحلة تأسيسية في الفن اللبناني خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومن هنا تأتي أهمّية المعرض الذي اختُتم منذ أيام في "المكتبة الشرقية" ببيروت، ونظّمته السفارة الأرجنتينية في لبنان، بالتعاون مع المكتبة الشرقية، بذكرى مرور خمسين عاماً على رحيل "فنّانة الزهور".

"النجوم جميلة لأنّ فيها زهرة لا نراها"، هكذا كتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري في "الأمير الصغير"، وكأنه يقول إن جمال الكون مطويٌّ في هذه الكائنات، وكذلك هو الحال مع لوحات لبيبة أو بيبي زغبي (1890 - 1975) حيث الزهور ثيمة أساسية وكأنها مقطوفة من حقل سماوي لا من الأرض.

زهور بيبي زغبي -القسم الثقافي
من اليمين: "الرتم الأبيض"، و"باقة شوك"، و"الهيدرنغا" من مجموعتَي: برتران فتال، وساندرا منصور (العربي الجديد/ وتُنشر بإذن المنظّمين)

تتجاوز الأعمال، إلى حدٍّ ما، تقنيات الفنّانات العِصاميات، التي يمكن إدراج زغبي ضمنهنّ سواء بلمساتها العفوية، أو لكونها تعلّمت الرسم بعد رحلة طويلة من انتقالها إلى الأرجنتين وزواجها في سنّ السادسة عشرة، ثم انفصالها، إذ لم تُقِم معرضها الأول في بوينس آيرس حتى عام 1934. مع ذلك، يضعنا التدقيق في لوحات زغبي أمام باليتة ثرية الألوان، هي انعكاس لحياة شخصية كوسموبوليتانية تمتدّ من ساحل علما (مسقط رأسها) إلى بوينس آيرس، مروراً ببيروت وداكار وباريس وغيرها من المدن التي أقامت فيها معارضها، فضلاً عن تجارب وخبرات اكتسبتها من الأوساط النخبوية التي عايشتها.

لوحة نسوية مبكرة يتداخل فيها إيحاء الحرية مع التقاليد

تدمج لوحات زغبي بين دقّة التفاصيل التعبيرية والانطباعية الفرنسية، ولا سيما في استخدام الضوء والظلّ والتلوين الحركي الذي يمنح كلّ زهرة كونها الخاص، مستغنيةً عن مشاهد الحقول المفتوحة. وتتميز بمعجم لوني غني، حيث تتجلى الألوان وتدرجاتها في تشكيل يعكس روح البرية المتحرّكة أكثر من كونها طبيعة صامتة. يمكن قراءة أسماء أعمالها مثل: الرتم، والكاميليا، والهيدرنغا، بل حتى الشوك يعود معها إلى أصله، ليس إلّا باقة لطيفة تذرُوها الريح. واللافت أننا لا نقع على أثر للنرجس المسكين الذي بات اصطلاحاً سامّاً في يومنا هذا، فما غاب من الزهور سؤالٌ أيضاً من أسئلة المعرض.

"امرأة مع الزهور"، زيت على خشب (من مجموعة دلول للفنون، وتُنشر بإذن المنظّمين)
"امرأة مع الزهور"، زيت على خشب من مجموعة دلول للفنون (العربي الجديد/ وتُنشر بإذن المنظّمين)

ومن بين الأعمال المعروضة تستوقفنا لوحتان (زيت على خشب) من مقتنيات "مؤسسة دلول للفنّ": "باهياس" و"امرأة مع الزهور"، وهُما اللوحتان الوحيدتان اللتان تتضمّنان حضوراً للعنصر البشري، حيث تُظهر التباينات اللونية القوية احتفاءً بالجسد الشعبي، ويمكن مقارنتها ببعض لوحات ماتيس، لكن مع خصوصية شرقية واضحة في الملامح والملبس والزينة. هناك أيضاً صلة بما بعد الانطباعية من حيث المساحات اللونية العريضة والابتعاد عن التجسيم الأكاديمي لصالح تعبيرية هادئة. كذلك قدّمت "المكتبة الشرقية" لوحتين زجاجيتين من أرشيفها الفوتوغرافي، تعودان إلى مجموعة بول موتيرد اليسوعي، وتتضمّنان أعمالاً وقّعتها زغبي، في محاولة للربط بين اهتمام كلّ من موتيرد وزغبي بالنباتات، الأول لأسباب علمية بوصفه عالم نبات، والثانية من زاوية تشكيلية. 

بيبي زغبي اسمٌ تأسيسي في تاريخ الفن اللبناني، سبقت موجة التشكيليات التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين في لبنان (الستينيات الذهبية وما بعدها). تحضر في مسيرتها روح الرواد اللبنانيين مثل خليل الصليبي، وعمر الأنسي، ومصطفى فروخ، الذين أسسوا رؤية فنية جديدة ربطت بين الحداثة والخصوصية الثقافية. وبهذا، يمكن أن نصف أعمال الفنانة الراحلة بأنها لوحة نسوية مبكرة، إن جاز القول، تتداخل فيها الحرية الشخصية مع التقاليد الفنية.

يمتدّ أثر بيبي زغبي إلى أجيال لاحقة من الفنانين. فقد شكّلت لوحتها "الصبّار" مرجعاً بصرياً أولياً للفنان اللبناني نبيل نحاس، كما بيّن في أحد اللقاءات معه، قبل أن يعود لاحقاً لاقتناء مجموعة من لوحاتها. وتجلّى هذا الأثر أيضاً في المعرض الذي أقامه "غاليري صالح بركات" عام 2019، واتخذ من الزهور ثيمة له، وتضمّن أعمالاً لـ"فنّانة الزهور"، قبل أن يُعاد تقديمه الصيف الماضي في قصر بيت الدين. ويتقاطع هذا الامتداد أيضاً مع عالم الموضة، عبر مصممة الأزياء ساندرا منصور التي استلهمت عام 2022 في مجموعاتها موتيفات زهور بيبي زغبي في خط إنتاج أزيائها "فلور دو سولي".