إلهي... من درَكٍ أناديك

21 نوفمبر 2020
الصورة
بطرس المعري/ سورية (جزء من لوحة)
+ الخط -

بعد أن تلقّى شاعرٌ ما، الرفضَ الأول، وتعزيات اللاجئين، ولا مبالاة وكلبية المسؤولين عن إدارة حياته في المخيم ـ ها هو يبذل أول جهد فلسطيني رئيسي، لقياس المسافة بين كوكب الأرض وكوكب الزهرة، في محاولة منه لتقديم أوراق لجوئه هناك.

فلقد ضاقت به الأرض، ببلدانها المتقدمة والمتأخرة، عام 2020، كما ضاقت بأهله، قبل 72 عاماً، في بلادهم، فهاموا على وجوههم خلَلَ شعابها ومنحنياتها، حتى استقر بهم الحال، في أسوأ حال، داخلَها وخارجها، تحت سقوف من القرميد الهش، ومعسكرات سابقة للجيش البريطاني، يدخلها المطر، وتنتشر تحتها الحشرات.

أما هو اليوم، فمهددٌ بالطرد، والنومِ في شوارع أقرب مدينة تقع من مخيمه: "لير"، أو "أنتويرب". لهذا لا بد من التفكير في كوكب آخر، لا توجد به مدنٌ باسم لير أو أنتويرب، على الخصوص، ربما يكون أرحب قلباً وأقل قسوة ويكون اسمه: الزهرة.
وبناءً على ما تقدم، وبعد أن عرف "الشاعر الما" هولَ المسافة بين الكوكبين، واستحالة توفر مواصلات تربطهما في خط سريع، متاح لعوام الناس، حتى في الألف الرابع ـ نكص على نفسه، وصار يفكر في موت عاجل ومريح، كي يرتاح ويُريح.

وبعد أن توصل لقناعة مفادها أن لا راحة لحيّ على هذا الكوكب الأزرق، ما دام يتنفس ويفكّر (وهما عمليتان بيولوجيتان تحدثان للكائن البشري، رغماً عن أنفه)، جَأرَ بالتالي:

لقد ضاقت به الأرض، ببلدانها المتقدمة والمتأخرة

إلهي!
مفيش جهة، غيرك، ماذا أعمل؟ 
ثم إني أُتخمت من إجراء المونولوغات، مع ظلٍ ينتمي لي تارةً، فيبين بالعين المجردة، وطوراً لا ينتمي ويتلاشى مثل بخار ماء ينحلّ في قبو.
وما أعرفه، بعد لأي، هو أنني بحاجة إلى عناصر خارجية أَستعين بها على عجز مزمن، وأُجري مع أطيافها حوارات.

إلهي! تحدّثْ عن نقاط ضعفنا! تناقضاتنا، ومدى ضآلة تحكمنا في مصيرنا، ومدى صغر حجمنا. تحدث ولا تُبال!
ألم تقل لنا في المبتدى: فقط اخرجوا أنتم من أرحام أمهاتكم، وأنا سأريكم الجنة .. وها نحن نرى؟
آ، ليس على المرء دائمًا أن يكون عاقلاً، حتى لو أنقذته نعمة النسيان، مرة تلو أخرى، من الجنون، فرمته لمآدب المتسولين.
ولا على المرأة، كذلك.
إلهي!
الذي كان والذي يكون والذي سيكون: 
كان هدفي النهائي هو التنوير من السخرية والمرح والشعور الجماعي والاحتفال بالحياة على الرغم من كل ما قد يحدث لنا.
فما هي النتيجة؟
إلهي!
وزّع جوهرتك العظمى عليّ: أعطني موتَ الغفلةِ مريحاً وبلا آلام، على حواف ساعة الفجر المنسية هذي في ريف بروخم.
موتاً غير مُتلاعب به، موتاً حقيقياً، يستمر لثوان ثم يخمد بعدها، "الرفيق الشيوعي"، دون أن يحس، للأبد.
فقد تنكّر لي سوادُ خلْقك ونخبتُهم، مع أني كرست عمري للأوائل ضد الأواخر، في السرّاء القليلة، وفي الضرّاء الطويلة الأمد. 
ولطالما تنمّر الطرفان ـ بالأخص الأواخر السفلة ـ على ضعفي وأدبي وقلّة حيلتي في المُلتوي والممنوع.
وحصّنني ضد الأمل الكاذب ـ يا أبو قبّة زرقا ـ والفجر الكاذب، والحقائق الكاذبة.
لقد أهلكت من السنوات، ما يكفي لكتابة مئة قصيدة صغيرة، وهذا يكفي.
قطعت بلداناً لا يبتسم مواطنوها للرغيف الساخن.
وأخرى، يفتقر مواطنوها إلى رموش تقي عيونهم شر الطبيعة.
وثالثة بلا كهرباء، يستحوذ فيها رجلُ السلطة على لقمة المُعْدم.
ورابعة بلا رب وبلا مسيح سوى المليم الأكبر.
وخامسة بقلوب نبيلة كشجرة مخضوضرة وحيدة بين سرب من شجر عارٍ، على رأس جبل. 
متوزعاً بين جفاف الريق وقطاف الفاكهة، عملاً، حتى صار يقال عنّي في الأزقة: شايف هذاك؟ هذاك الماشي على هناك؟ إنه الشيخ الذي يتحدث إلى الحمضيات وأنواع أخرى من الفواكه، مثل التفاح والإجاص والبندورة المزروعة بلا تربة، وإنما على قطعة إسفنج فقط، والخسّ، إلخ.

صوت الإنسان في هوان المال والأعمال وتزييف المياه

متوزعاً بين الجماليات والمليونيرات والصعاليك، وبعض قراءات عن قدامى البوهيميين أحفاد المستعمرين، وجُدد الأثرياء، وحقارة رؤساء دول فاجرة، وطيبة شعراء مفلسين لهم دواخل شفّافة ولا دواخل أنبيائك.
والنتيجة جلالتك؟ 
لقد شبعت ولا أريد مزيداً من العيش، لا بين شُقر البشرة ولا بين صُفرها أو سُودها ـ مع احترامي بالأخص للأخيرين. 
فلا تبخل على منفيٍّ بالراحة الأخيرة، في التربة الأخيرة، وأنت يقال لك: الكريم الأول. 
إلهي! 
أعطني اختباراً أخيراً: أعطني شرف المحاولة! إني من درَكٍ أناديك، ويعتورني الإحساس، لفترة من الوقت، أنني لن أحتاج إلى مناداة أي شيء آخر.
لأنك تعرف جلالتك ولا غرو (فلديك مجسّات تستشعر دبيب النملة)، أنني خالطت، في أحقاب مختلفة من العمر الغارب، أناساً اسمُهم عبد الشكور وريغوبيرتا وأوسكار وعبد الستار، وخليل وخوسيه وفلاديمير وتريزا وفونس وإيفيلن وإِلسي، وجوزيب، وموشيه، وإليعيزر، ومايا وباولا وحنة، وماريون وماري وريت والحاجة زريفة، وعبد الصمد سرّاق الدجاج، وخافيير مستهلك الكحول على الريق، ورفيق الله الأفغاني كاره المدخنين، من بين آخرين، بحيث أصبح هؤلاء وأمثالهم، مثل يوم مزدحم بالفعل: أحد اكتشافاتي الفنية لحقبة من الليالي.
فحاولت أن أكون صوتهم، كما حاولت أن أجد الإلهام لكتابة الشّعر حتى في مفهوم التحويل المصرفي (طريقة عمل "الويسترن يونيون"، مثلاً).
والنتيجة ـ الآن ـ جلالتك؟ 
لا شيء تأخذه الريح من البلاط، مهما قويت وتقوّت الأولى فزعمت لنفسها أنها "عاصفة".
إلهي!
دعك منهم وأنصت إليّ، ولا تهززن كتفيك ـ أرجوك ـ عندما تصلك جملتي هذه. 
إن هذه ليست كلمات لنهاية العالم، وإنما لنهايتي أنا، فلا تقفل أذني الرحمة بقطن مصري (كان طويل التيلة، وفقدَها في حادث طارئ، للأبد) ولا بقطن من بلاد عديمة الأنهار.
فهذا الذي يترجّاك هو صوت الإنسان في معمعان هوان المال والأعمال وتزييف المياه، وكشف المستور عن سكان البور غير الواجدين حتى اللَّضا، ومآرب أخرى.
آمين.


* شاعر فلسطيني مقيم في بلجيكا

المساهمون