استمع إلى الملخص
- يتضمن العرض إشارات سياسية وأخلاقية جريئة إلى فلسطين، حيث يستخدم محمد سجادة فلسطينية وقبة الصخرة كخلفية، ويعالج التحديات التي يواجهها الجمهور الفرنسي في تناول المسألة الفلسطينية باستخدام الفكاهة.
- يبرز العرض التناقض بين تطلعات الأبوين وتوجهات الأبناء، حيث يرفض والد محمد مسيرته الفنية، ويعكس هذا التوتر من خلال فيديوهات للأبوين، مستلهماً من رسالة كافكا إلى والده.
فلامنكو وكافكا وقبة الصخرة. هذا ملخّص التركيبة المسرحية الأقرب لتكون عرضاً أرشيفياً، مشتركاً ما بين الراقص الإسباني إزرايل غالفان والفنان المغربي محمد الخطيب، "إزرايل ومحمد". يبدأ العرض المسرحي التجريبي، بمحمد، مرتدياً كنزة مطبوعاً عليها "طنجة"، يقدّم لنا بعض مقتنيات أبيه، منها سجادة آتية من فلسطين. كانت الإشارة سريعة وممهدة لحضور متعدّد ومتنوع لفلسطين في عرض لا علاقة شكلية له بهذه البلاد.
هو عرض بإحالته الفنية وحسب، عن علاقة الابن بأبيه، من خلال الراقص الإسباني والفنان المغربي، بدمج أنواع فنية راوحت بين الرقص والفيديو والفن التركيبي، والأدب. فمحمد كاتب، ويلقي علينا رسائل أدبية كتبها لوالده، وكلها في إطار العمل المسرحي والرقص المعاصر. محمد يحكي عن أبيه، وعزرا يفعلها بالرقص.
من بعد السجادة يستعيد محمد نوادر عن عروض الثنائي في البلدان العربية، فإزرايل، أو إسرائيل بترجمة فصيحة للاسم، كان يُسمى إزرا، أو عزرا. أما عروضهما هناك، فكانت من القدس إلى القاهرة، مروراً ببيروت ودمشق وعمّان، وهذا، يعلّق محمد، حلمُ إسرائيل. لحظة أجدني فيها وحيداً ضاحكاً. ألتفت حولي لأفهم أن جمهور "مسرح المدينة" في العاصمة الفرنسية فهم النكتة بطبقتها الأولى، أنه حلم الراقص Israel، لا الدولة الاستعمارية. أتى العرض ضمن برنامج خاص من "مهرجان الخريف" للمسرح الذي يتواصل في باريس، ويشمل عدة عروض بعناوين وأنواع مختلفة لأحد أبرز راقصي الفلامنكو المعاصرين، الذي نقل هذا النوع من التقليدية إلى المعاصرة، وإلى عمل ما بعد حداثي يتخطى نوعه إلى أشكال فنية أخرى. أما موضوعه، أو موضوعهما المشترك، فهو العلاقة الملتبسة مع الأب، علاقة لا قتل فيها، بل فيها امتنان.
لفرانز كافكا علاقة مرتبكة مع أبيه، نجدها في كتابه "المسخ"، لكن بشكل مباشر وعينيّ في رسالته المنشورة بترجمتها الإنكليزية بعناوين منها "رسالة إلى أبيه" و"أبي العزيز"، وفيها يعبّر عن هذه العلاقة الملتبسة، عن خوفه المزمن من أبويّة متسلطة، عن تمنٍّ لحب مخبّأ تحت هذا الخوف، بالكاد تكشف عنه أسطر الرسالة.
يدمج العرض بين الرقص والفيديو والفن التركيبي والأدب
طيف كافكا يحوم على طول المسرح وعرضه، رسالة محمد المحبّة لوالده يستعيدها من بعد ترويضها، وكذلك رقص عزرا إلى أبيه. يحكي محمد عن عنف الوالد، عن صفعة تلقاها طفلاً لأنه أمسك البطاطا المقلية بإصبعيه، فيصرخ الأب بأنه لم يربِّ حيواناً. يحوّل محمد تلك العلاقة إلى عرض أدائي وفني ضاحك، ناقلاً التسلط الأبوي المختلط بالحنان والمثالية، من خلال المسرح، إلى كوميديا تستعيد ذكريات طفولة تحوّلت مع الزمن إلى نوادر، إلى ذكريات جميلة. هذا حاله كما هو حال عزرا قليل التكلّم، يحكي محمد بلسان صديقه، وعزرا يرقص فلامنكو معاصرة مرتدياً جلابية والد محمد. يتذكر محمد مداعباً، أن كتاباً واحداً كان في بيتهم، لكن بنسخ كثيرة، وحمل إليها رفاً مليئاً بطبعات مختلفة من القرآن، ويشرح كيف يكون النعل سلاحاً هوائياً وفعالاً.
يتشابه الوالدان في رفض مآل كل من محمد وعزرا، الأول الذي تحول إلى المسرح والفن، والثاني الذي تحوّل عن الفلامنكو التقليدي. نشاهد فيديوهات لكل من الأبوين، لقاءات تظهر شخصية كل منهما التي لا ترى في الولد سوى طفل مهما كبر. بدا محمد وعزرا في المسرحية عاقين، لكن بلطف، خارجين عن سلطة الأب، لكن بحب. بدت المسرحية إعادة توجيه لرسالة كافكا في العلاقة مع الأب، في إعادة تفسير قساوة الأب، في منح هذه القساوة مساحة للتفهّم، للتندّر، وللتذكّر بحب.
في المسرحية إشارات إلى فلسطين متقصّدة، أمكن تفاديها واختار الرجلان التصريح بها. فالسجادة التي حملها محمد أول العرض لم تكن فعلاً بنقشات فلسطينية، إشارة أخرى كانت في رغبته في الحديث عن رشيدة داتي، اليمينية الساعية للترشح لرئاسة بلدية باريس، ضحك الجميع، وعن نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق الذي قعد في السجن لعشرين يوماً ثم خرج وأصدر كتاباً بعنوان "يوميات سجين"، ضحك الجميع. وعن فلسطين، لم يضحك أحد، علّق محمد بأننا نضحك أقلّ هنا. في إشارة إلى تمنّع عام لدى الجمهور الفرنسي من تناول المسألة الفلسطينية. إشارة أخيرة إلى فلسطين كانت بشساعة المسرح، ورمزاً بصرياً لتسجيل موقف في مدينة وأمام جمهور متمنّع.
لمحمد قصة عن والده الذي حثّه مراراً على المساهمة مالياً في بناء مسجد، والذي سأل ابنه في أحد الفيديوهات المعروضة عمّا إن كان سيشير إلى فلسطين في المسرحية، فما كان من محمد سوى أن كشف، مع عزرا، عن البناء الضخم في الخلفية، يملأ عمق المسرح ويصل إلى سقفه، وكان لقبّة مسجد بحجمٍ شبه واقعي، وكان لقبّة الصخرة. فها هو بنى مسجداً، وها لم يشر إلى فلسطين، بل جعلها عمقاً لمسرحه.
كان يمكن لمحمد وعزرا تفادي ذلك لمساحات آمنة في عرضهما، لكن دمجها جعل من المسرحية (Israel & Mohamed) التي شهدت عرضها الأول في مهرجان أفينيون المسرحي هذا العام، ملتحمة مع الواقع خارج جدران المسرح، وبموقف أخلاقي وسياسي هو بجرأة تجريبية عرضهما، فلا يفهم أحد اسم المسرحية خطأً، "محمد وإسرائيل". اسم اعترض عليه والد محمد، في وضع ابنه اسمه بجوار هذا الذي اسمه "إسرائيل"، ألم ترَ ما تفعله إسرائيل في غزة؟ العرض رقص وثائقي تجريبي ينطلق من الأبوين وزمانهما.
هو وثائقي يأتي بنا إلى الراهن باستحضارٍ شاسع لفلسطين. مروراً برسائل لا عتب فيها، بل مشاغَبة متواصلة لكل من الراقص والفنان تجاه والديهما، تكمل أحاديث محمد عن طفولة شقية لكل منهما. قصص ومقتنيات ورقصات واستعادات عاطفية، جعلت من العرض أرشيفاً شخصياً منغمساً بواقع حيّ، بما هو أقرب إلى طبيعة هذا العمل المسرحي العابر، رقصاً بالفلامنكو، للأنواع الفنية.