استمع إلى الملخص
- في رواياته مثل "ترابها زعفران" و"يا بنات إسكندرية"، تعامل الخراط مع الإسكندرية كحقل للذاكرة والتأمل، حيث يتداخل الشخصي مع العام، مما يعكس تجربة ذاتية لا تدّعي التوثيق المباشر.
- الخراط لم يقتصر على الرواية والقصة، بل عمل في الترجمة والنقد، حيث ارتبط اسمه بمفهوم "الحساسية الجديدة"، مشيراً إلى تحول السرد العربي نحو وعي الشخصية الداخلي.
يُقرأ الروائي المصري إدوار الخراط، والذي حلّت ذكرى وفاته العاشرة مع بداية هذا الشهر، كاتباً انشغل على امتداد تجربته، بإعادة التفكير في السرد وأشكاله، عبوراً بين التصنيفات، سواء في لغته أو في بنية رواياته، وهو ما يمثّله اصطلاح نظَّر له في مجموعة مقالات صدرت في كتاب "الكتابة عبر النوعية".
والكتابة عبر النوعية، بمعناها الذي صاغه الخراط، تقوم على امتزاج أنواع متعددة من الكتابة داخل النص الواحد، حيث تجتمع اللغة الشعرية مع السرد النثري، والحوار مع الوصف. وهكذا يجد القارئ، في روايته "رامة والتنين"، أربع عشرة قصة قصيرة تؤلف رواية، لكنها تُقرأ كذلك بشكل مستقل وبلغة شاعرية. وربما يكون هذا الأسلوب مألوفاً اليوم، وهو ما يُعرف بالمتوالية القصصية، لكن إدوار الخراط، بتجربته، ينتمي إلى جيل عابر؛ فقد بدأ الكتابة مع مجموعته القصصية "حيطان عالية" عام 1959، التي مثّلت افتراقاً عن نمط الواقعية الوصفية في السرد والحبكة التقليدية. وعلى العكس، كانت قصص هذه المجموعة المبكرة تصويراً للعزلة، ووصفاً للحالات الانفعالية للشخصيات، لا للعوالم الخارجية.
لكن العمل الفارق في تجربة الخراط كان روايته "رامة والتنين" (1980)، وهي روايته الأولى، والتي أظهرت تعامله مع الرواية نصاً مفتوحاً على الأجناس، وفضاءً للتجريب، سواء في اعتماده زمناً غير خطي، أو في تشكيله الشخصيات داخل اللغة وعبرها. وهو ما أتاح لقصة الحب التي ترويها الحكاية بين رامة المسلمة وميخائيل القبطي، أن تتحوّل إلى بنية رمزية، تتقاطع فيها الأسطورة مع ما هو يومي، بخاصة أن الخراط ينتمي إلى الثقافة المصرية بمشاربها الفكرية والدينية المختلفة. وبهذا الأسلوب اللغوي، حيث تتنادى الرموز إلى المتن الحكائي، أخرج الخراط نصّه من الواقع الاجتماعي المباشر، وبناه في سياق أسئلة ملتصقة بالفرد ووقائعه الشخصية، في الحب والرغبة والتعامل مع الجسد، وهو أسلوب يتواصل في أعماله "الزمن الآخر" و"يقين العطش".
إلى جانب هذه الأعمال التي تمثّل فيها اللغة، بذاتها، حيّزاً أساسياً في تشكيل الشخصيات بانفعالاتها وقضاياها، كتب الخراط روايات عدّة عن الإسكندرية، ومن بينها "ترابها زعفران" و"يا بنات إسكندرية". وهي روايات تنطوي على تجربة ذاتية، وتتعامل مع المدينة بوصفها حقلاً من حقول الذاكرة، ومجالاً من مجالات التأمل. فالمكان في هذه النصوص حكاية يتداخل فيها الشخصي مع العام، في كتابة لا تدّعي التوثيق المباشر، بل تصوّر عبور فرد في المكان.
حكاية يتداخل فيها الشخصي مع العام، في كتابة لا تدّعي التوثيق
وفي أعمال لاحقة مثل "أبنية متطايرة" و"طريق النسر"، تحضر السياسة والتاريخ، لا بصورتهما التقريرية المباشرة، بل بما هما أثر، من خلال كتابة تعتمد على الأسلوب، لا على الموضوع وحده.
وعلى التوازي مع إنجازه الإبداعي في الرواية والقصة، عمل الخراط أيضاً في الترجمة، ولا سيما في بين نشر عمله الأول في القصة، وروايته الأولى. كما كان له اشتغال نقدي صدر في عدة كتب، وارتبط اسمه على نحو أساسي بمفهوم "الحساسية الجديدة". تحت هذا العنوان، قدّم قراءة لتحولات السرد العربي بعد الستينيات، مشيراً إلى انتقال مركز السرد من واقع الشخصية الخارجي إلى وعيها، إلى داخلها، ويمكن النظر إلى أدب الخراط بوصفه تجسيداً لهذا التحول.