إبراهيم المزين.. ما وراء نافذة الزنزانة
استمع إلى الملخص
- تتسم أعماله بالتشخيص والرمزية، مع تكرار عناصر مثل نوافذ الزنازين، مما يعكس العزلة والسجن، ويستخدم الألوان الرمادية للتعبير عن الموقف الضبابي والمشاعر المتناقضة.
- يشير عنوان المعرض إلى الذاكرة الفلسطينية، حيث يحول المزين الذاكرة إلى شرارة تربط الزمن، مستعيداً وعي المجتمع وتحويله إلى قوة تضامن ومقاومة.
يرسم الفنان الفلسطيني إبراهيم المزين أشخاصاً عالقين في حالة من السكون الدائم، وكأنهم ينتظرون حدوث شيء ما، أو يترقبون عودة شخص غائب. في معرضه الذي افتتح السبت الماضي غاليري "ون" برام الله تحت عنوان "نسيتُ أنني تذكرت"، ويتواصل حتى نهاية الشهر المقبل، ينشغل بحالات مشابهة ثيمتها الأساسية السجن.
14 عملاً فنياً منفذة بتقنية الأكريليك على القماش، بأحجام مختلفة، غلبت عليها الأحجام المتوسطة، تسلّط الضوء على الفارق الكبير بين أن تنظر إلى لوحة لا يكاد يتضح منها سوى وجوه لأشخاص خلف القضبان، أو أن تذهب لزيارة السجن وتنظر إلى السجين وهو خلف القضبان. الفرق الجوهري يكمن في تجربة المشاهد؛ فبين تجميد الوقت في العمل الفني وتسريعه في الواقع، تخلق تجربة فريدة للتذكير وخوفاً من النسيان، يعبّر عنها المزين ابن مدينة رفح، بقوله "لا شهيد في الفن يساوي الشهيد في الحياة، ولا أسير في الفن يوازي أسيراً في الحياة".
يغلب على أعمال الفنان التشخيص، وتحضر في أعماله الأخيرة عناصر تتكرر في كامل لوحاته مثل نوافذ الزنازين، بحيث تضع المشاهد في حدود المكان المحصور بين العزلة والسجن، وتكثف البساطة والرمزية العالية في أعماله، وتنقلها نحو المشاهدة الدرامية التي تدخل في التفاصيل والتأمل، مستدعية الذاكرة المركبة بين الآني والماضي، ولملمة الذات المشتتة بين الحلم ومراقبة لما يجري من أحداث. تعكس شخصياته موضوع النسيان، محاولاً إزاحتها إلى الحاضر المفصول عما قبله وبعده. رغم بعض الألوان الممتدة على لوحاته، غلبت عليها اللمسة الرمادية، التي تعكس الموقف الضبابي غير المحدد، أو فهم المشاعر المتناقضة.
تضع المشاهد في حدود المكان المحصور بين العزلة والسجن
يشير عنوان المعرض "نسيتُ أنني تذكرت" إلى المعاني الكثيفة التي تختزنها الذاكرة الفلسطينية، المثقلة بأحداث مفصلية عاشها الفلسطينيون تحت الاحتلال، كان آخرها الإبادة في قطاع غزّة. أمام هذا الكم من الرعب، أصبحت الذاكرة عاجزة عن عدّ الأحداث أو ترتيبها زمنياً، وكأن الزمن نفسه فقد قدرته على الفصل بين واقعة وأخرى.
في عمله "كوزو كومزتو" تظهر قطعتان بأسلوبين مختلفين، في الأولى على اليسار رُسم وجه شاحب لشخص ينظر من نافذة صغيرة بحجم رأسه، وتبدو أنها نافذة لغرفة السجن، وفي اللوحة الثانية على اليمين تظهر ثلاثة وجوه بقطع عرضي بلا جسد جمعت بين الرمزية والتعبيرية، غلب على وجهين منهما اللون الأحمر، بينما في الوجه الأخير أسفل العمل وجه أخضر، وبعينين غير مكتملتين وهي تنظر إلى الأعلى تذكر بأعمال الفنان المصري حامد ندا.
يعمل الفنان على تحويل الذاكرة من جمرة مخبأة إلى شرارة تربط الزمن بين فعلين منفصلين تاريخياً إلى حدث متصل، وتبقى تفاصيل الروايات الشفهية والحكايات عن القرى المدمرة والأغاني ومفاتيح البيوت هي الجمر المستمر تحت رماد النسيان الظاهري.
اللوحة، بهذا التفسير، تتجاوز حدود إزاحة الرماد عن الذاكرة غير الظاهرة، إلى فعل التذكر نفسه، يستعيد فيها المجتمع وعيه بذاكرته وينقلها من الأرشيف الذهني إلى قوة متجددة تحمل في تفاصيلها فعل التضامن والمقاومة التي تعبر الزمان والمكان، وتتحول من حكاية عن الغياب إلى طاقة للوجود.
في لوحته الأخرى "مجاورة"، رسم المزين أربعة وجوه منفردة خلف أربع نوافذ صغيرة من سجن أو زنزانة، وهي تنظر إلى الخارج بعيون تشي بفقدان الأمل والخوف والحزن، وقد طغى عليها الاصفرار الشاحب، في إشارة إلى عدم اليقين للتحرر من هذا المكان أو تلك الأفكار التي يحملونها في رؤوسهم، أو بانتظار شيء ما. بالرغم من وقوف الأشخاص الأربعة جنباً إلى جنب، بنوافذ مكررة، تعكس تكرار المشهد والصورة للشخص نفسه، وإيماءة مختلفة في كل مشهد، بين النظر مباشرة نحو المشاهد، أو هروب العيون إلى زوايا أخرى من المكان، تظل هذه الوجوه في انتظار من يجيب عن أسئلتها، وأسئلة الفنان.