استمع إلى الملخص
- يصف الحياة اليومية في غزة حيث تُستبدل التحيات المعتادة بنظرات تعبر عن الألم، ويتحدث عن الأطفال الذين يُجبرون على النضوج قبل أوانهم، مشيرًا إلى اللامبالاة العالمية التي تزيد من شعور العار والعجز.
- يتأمل الشاعر في اهتمامه بفلسطين وغزة، مشيرًا إلى تأثير الشعراء الفلسطينيين عليه، ويدعو إلى الاعتراف بالواقع وكسر الصمت، مؤكدًا على ضرورة انتصار الإنسانية على الهمجية.
أُحاول أن أكتُبَ قصيدة عن غزّة
أَجَلْ
أحاول منذ أسابيع
منذ أشهر
بدون جدوى
رغم ذلك
لا أستطيع التفكير في شيء آخر
ما تحوّل إلى غبار:
الفُرن
الفطيرة
القدح
الساحة
الفصل
الصنبور
المشْفى
الزيتونة
النّاي
الطريق
وحتى القبور
ثُمَّ الكلمات
الكتابة
الأسئلة، الأجوبة
الماضي، المستقبل
الضوء
العقل
الحبّ
الرأفة
وحتى الله
أجل، الله!
كلمات غزّة
لا تَحُلُّ بفمي
ولكي أستحقّها
أيجبُ عليّ أن أفقد
واحدًا
اثنين
من أولادي؟
أن تُنزَع منّي
عيْنٌ
ساقٌ
كلْيَةٌ
أو أن يُقْتَلَعَ لساني؟
خبّروني يا أهلَ غزّةَ
الأمواتَ منكم والباقين على قيد الحياة
أيٌّ من شِيَمِ الوحوش الضارية
علَيَّ أن أكتسب
حتى ترضى كلماتكم
أن ترتاد فمي؟
ومِنْ بين هذه الكلمات
أيُّ منها سأستعمل
كي لا أسيء إليكم؟
أيّ مدى أبلغه في تواضعي
كَيْ لا أكَدّرَكُمْ؟
ماذا بقي لي أن أقول إذن؟
القليل، القليل
أعرف ذلك
إنّما
لا أستطيع التخلّي عن هذا "القليل"
حقًّا لا أستطيع
أحتاج إليه
حتى لا يُلطّخَني
ويبتلِعُني
العار
العجز
جُبْنُ المُتفرّج
أو الأدهى
جريمة اللاّمبالاة
غزّة
لم تعد ترغبُ في تلك القصائد "المُلتزِمة"
أغنيات المناسبات تلك
تلك الصور المُسِيلة للدموع
غزّة تقول:
إلى الجحيم شهاداتكم
تجمُّعاتكم
التي بلا غَدٍ
وعلى مُحيّاكم سحنة الخارجين من القبور
عندما تصدعون باسمي
غزّة تقول:
اِرفعوا أيديكم عن عَلَمي!
بدون مهارة
أكتبُ
كما لو باليَدِ اليسرى
صوتي صوت روبوت
انتهت مدّة صلاحيته
لا أنصت حتى لنصف الكلمات
التي تطرق باب أذنيّ
الآلام التي أشعر بها...
بلا طعم
لم أعد أدري ما أفعل بعينيّ
وأمشي مثل سلطعون
الصرخة
صرختي الأثيرة
اختنقتْ في حنجرتي
بدوري أصبحتُ
"لا حيًّا ولا ميِّتًا"1
موتُهم
لا يشبه موتي
ولا موتَكم
لكثرة ما هو ملموس
غدا مجرّدًا تمامًا
أمواتهم لم يعودوا سوى أرقام
نحْلُجُها في شرود
على أطراف الشفاه.
في قاموس جلّاديهم
لا يقال إنّهم
قُتِلوا
بل بالأحرى تمّت
تصفيتهم!
أشرق النهار في غزّة
أشعة الشمس الأُولى
تُداعب الأنقاضَ
الأشجارَ المُفحّمة
الخيامَ المُرْتجَلة
القبورَ بدون أسماء
المويجات التي تواصل خريرها
وتوهِمُ بوجود بحر
بأشرعته
بمداه وآفاقه
المُقاتلات لا تزال نائمة
وكذا المؤذنون
الشاعرات
الشعراء
يموتون أيضًا
بعيون مفتوحة أو مُغمَضة
يُشْهِرونَ دائمًا قلم رصاص
يضعون خدّهم بِرِقّة على الصفحة
بعدما سُحِقتْ سيقانهم
وانتُزِعَتْ من جذوعهم
غيرُ مُجْدية
محاولة تخمين
الكلمات أو أنصاف الكلمات الأخيرة
التي خربشوها على الصفحة
هنا
في الوضعية التي وصفناها
إنّها كتابٌ مكتمل
بَلْ
أعمالٌ كاملة
لم أعرف قطّ الجوع
الجوع الحقيقي
ذاك الذي يسود خلال المجاعات
التي تطول
وتطول
ناهيك عن العطش
العطش الحقيقي
الذي يصاحبه
وذلك تحت شمس حارقة
في غمرة هواء خانق
مع طائر من فولاذ
يحلّق فوق الرؤوس
يختار طريدته على مهل
ولا يبتعد
إلّا وقد شفى غليله
من رأيي
أنّي عن الحياة
الحقيقية أو الزائفة
لم أعرف الشيء الكثير!
في أعماق التاريخ
كانت غزّة
كما يُحْكى
واحة غَرّاء
مفتوحة على العالم المُتَمَدِّنِ
يحتفي بها الرّحّالة
الذين يقفون أمام غِلَلِها
مبهوتين
تقضُّ مَضْجَع
كلِّ غازٍ
ولو كان الإسكندر المقدوني
منذ آلاف السنين
أزهرت الصحراء على يد الغزّاويّين
قَبْلَ
كثيرًا قبلَ
أولئك الذين...
في غزّة
لم يعد يُقال "صباح الخير"!
"ليلة سعيدة"!
لا يُسْأَلُ
عن حالة الطقس
عن الأولاد
والصحّة
والعمل
عِزَّةُ النفس تمنع تبادل التحية
بالقول
كما الصينيّين في الماضي:
هل أَكَلْتَ؟
في غزّة
لا يكلّم الناس بعضهم حين يلتقون
ينظرون إلى بعضهم بطرف العين
تلك التي ما تزال سليمة
ويرسلون تنهيدة
على سبيل التحية
في غزّة
طُرِدَتْ العصافير
من السماء
من الأقفاص
كما في أفغانستان
منذ حُكم طالبان الأوّل
المذياع
لم يعد يبثّ الموسيقى
الأصوات
لم تعد تُصْدِرُ إلّا أدعية
أو صرخات
كأنّها غريبة عن الألم
وتَعْلو
يا للمفارقة!
كشهادات عن الحياة
المُقاتلة
الدرون
الدبّابة آخر صيحة
كلّها قادرة على إيجاد
إبرة
وسط كومة قشّ
لكن عوض نزع الإبرة
"جراحيًّا"
يفجّرون الكومة بأسرها
- "لاما"؟2
- سادية عمياء
للذكاء الاصطناعي
في أيّ عمر يُعتبَرُ أنّ الطفل في غزّة
ما يزال طفلًا؟
كائنًا أعزل
من دون قضية يدافع عنها
من دون عدوٍّ مُعْلَنٍ
كائنًا بريئًا
بريئًا بكلّ معنى الكلمة
لا ينتظر من الكبار
أهلِه أو أيِّ أحدٍ آخر
سوى مأوى
وطعام
وحماية.
في أيّ عمر نعتبر
أنّ طفلًا في غزّة
بات جُنديًّا؟
بعد أن تنتهي "المهمّة"
ماذا سيتبقّى ليُهْدَم
ممّا كانت عليه غزّة؟
ومع ذلك
ما يزال ثَمَّةَ البحر
أمواجٌ
أحيانًا تضاهي في علوِّها
العمارات التي دُكَّتْ
وبعد مدّة من الزمن
لِمَ لا أسماك؟
الهدف المقبل:
تجفيفُ البحر
أو بعبارة أكثر واقعية
حَشْوُهُ
بمليارات الأطنان
من الحطام
الذي لم تتمّ إزالته
يومًا ما
سَيُقال:
على هذه الأرض
كان ثمّة مليونان ونصف مليون نسمة
هؤلاء سمَّوْا أنفسهم "فلسطينيّين"
"غزّاويّين" بالنسبة للمُقرّبين
لاجئون محترفون
هذا ما كانوا عليه
ليس عن اختيار
لكن لأنّ العالم
كما كان في تلك الأزمان
أجبرهم على ذلك
في اليوم الذي سيُقال فيه هذا
سيكون اختلال المناخ
قد بلغ نقطة اللاّعودة
والكوكبُ
قد قُضِي أمْرُهُ
أتخيّلُ
أنّني في غزّة
غزّاويٌّ أبًا عن جدّ.
لندع المهنة جانبًا
الحالة المدنية:
متزوّج، أبٌ لكذا طفل
عازب عجوز
مُطلّق
أرمل
مهما يكن
بلغتُ سنّ الرشد
إذن كيف أتخيّل نفسي؟
بندقية في متناول اليد
مُتَحَصّن داخل نفق؟
مُخْبِرٌ للعدوّ
عِلْمًا أنّي يومًا ما
سيرجُمني أهلي؟
انتهازيٌ بسيط
أدفع الثمن غاليًّا لشراء خروجي
صَوْبَ مصر
تائه في أرض تتقلّص يومًا بعد يوم
نَبِيّ
يرميه أطفال
أكثر نضجًا من البالغين
بحجارة؟
أتخيّل
أنّني في غزّة
تمرينٌ لا جدوى منه
وَلَوْ
أنّني وأنا أتخيّل
لا أمارس سوى مهنتي
المصوِّر مُتأهّبٌ
لكن ما عاد أيّ شيء يشبه
السيّدة العذراء الفلسطينية
إلّا سيّدة عذراء فلسطينيّة أُخرى
الشيء نفسه بالنسبة للرجُل رثِّ الثياب
الذي خَبتْ عيناه
وانطفأ صوته
للمرأة الشابّة المحتجبة
المرتمية على القبر الطريّ
لوالِدٍ
أو عاشقٍ
أو ثمرة رَحِمٍ
بالنسبة للكلب الأعجف
التائه أكثر من سيّده
لهالة الشمس
التي بالكاد تُرى
أكثر من التي نتخيّلها
في سماء لاهُورْ
النساء يَكْدَحْنَ
أكثر من المعتاد
الرجال لا شغل لهم.
وليتحلّوا ببعض الشهامة
يعتنون قليلًا بالأطفال
يدفعونهم إلى التلوين
بِكِسْراتِ جبس
وقِطَعِ فحم
يقترحون عليهم ألعابا بِلا أكْسِسْوارات
لا يحملها هؤلاء الأوغاد على محمل الجدّ
حينها يغادرون الخيمة
حاملين أيّ وعاء
من الأوعية المُتوفّرة
ويذهبون بحماسة
ليلتحقوا بالطابور الذي لا... لا ينتهي
ليملأوها بالماء
مشهد داخل مَشْفى
أو ما تبقّى منه:
في ممرّ مزدحم
جُثمانان صغيران
وُضِعا بمحاذاة جدار
رأس أحدهما عند قدميْ الآخر
وهما مقمّطان
ومشدودان
داخل كفن
طَرْدٌ وُضِعَ هنا
في انتظار يوم الحِساب والعقاب
هنا
التيه مُبرْمَجٌ:
جنوبـ مركز
مركز- جنوب
جنوب- شمال
عشرُ دقائق، خمس عشرة دقيقة
لجمع الأغراض
ثمّ مغادرة المكان
والاعتماد فقط على الساقين
أو ببعض الحظّ على قوة جرّ حمار
خرج للتوّ من أسطورة
هنا
لا يتمّ إفقادك الشمال فحسب
بل اتجاه الجنوب أيضًا
والشرق والغرب
ولِمَ لا
المركز
أنّى ولَّيْتَ وجهك
تجد نفسك في اللاّمكان
في حيّز أضيق من ظلّ الرمح
كيف نتصرّف
لدفن المزيد من الأموات؟
صحيح أنّه فيما يتعلّق بالأجساد
نجد أنفسنا غالبًا أمام...
ماذا عساي أن أقول؟
نِصف
رُبع جسد
أشلاء
أشطُر
شظايا
جُذوع
عَجين
رأس منفصل
كفى!
كم من شهود
قدّموا شهادتهم
بتفاصيل
يستحيل اختلاقها
بكلمات
جديرة بأن تُنْقَشَ على الرخام
لكن في الحالة التي تشغلنا
لا صوت لمن تنادي
ثمّة دائمًا صَممٌ مفاجئ
حِجاب حامٍ
يغطّي العينين
الضمير والعقل
ثمّة دائمًا
قصد المناورة
نار مُضادة
التذكير الإجباري
بالإبادة الجماعية
التي لا يمكن تجاوزها
ممنوع المقارنة!
وإلّا
أنتم تعرفون فداحة
ما ستجرّون على أنفسكم
بالبحث جيّدًا
سننتهي إلى العثور
على خبر سعيد
كالتالي:
الندّابات
فَقَدْنَ عملهنّ!
- أكرهُ هذه المهنة -
أمام حَجْمِ الكارثة
هنّ أنفسهنّ
تُعْوزهنّ الدموعْ
يا للمعجزة!
زيتونة وحيدة
سليمة
تَشْمُخُ بكامل قدِّها الممشوق
وسط كومة أنقاض
وباتت تحمل ثمرات
ليس بعدد كبير
لكنّها ناضجات كفايةً
لنرغب في أن نقطف منها ولو واحدة
نشمُّها
نلحسها
نعضّ مَرارتها
نلعق منها قطرة زيت
ومن طور إلى طور
نسترجع من البداية
تاريخ فلسطين
زيتونة وحيدة
مُعجزةٌ
في خيالي الطافح
في هذا الفصل الأخير من حياتي ما زلت أحاول أن أفهم لماذا سلكتُ طريقًا دون آخر، اعتنقتُ قضية أكثر من أُخرى، ألّفتُ كتابًا ربّما على حساب آخر. إذن، وهنا مربط الفرس، لماذا شغلتني فلسطين لهذه الدرجة؟
تعدّدت الأسباب، ولكن لكي لا أرهق القارئ، سأذكر هذا السبب الذي قد يُعتبَرُ أمرًا لا شَأنَ له: من بين حشد الشعراء الذين أتيحتْ لي فرصة اللقاء بهم في حياتي، هنا وهناك عبر العالم، لم يكن الشعراء الفلسطينيّون الأكثر عددًا فحسب، بل كانوا، أساسًا، الأكثر أُخُوَّة.
لكيْ لا تتحوّل الأنظار بعد الآن
لكيْ لا يتمّ إنكار الواقع
لكي يُعْتَرَفَ بالحقيقة كحقيقة
لكي تهتزّ الضمائر
لكي تسقط نهائيًّا شريعة العين بالعين
لكيْ لا يغدو الإفلات من العقاب حقًّا معترفًا به
لكيْلا تُبَرِّرَ آلامُ
البعض
الماضية منها أو الحاضرة
الجحيمَ المُسلّط
على الآخرين
لكي يكفّ تعتيم الصور
لكي يكسَّر جدار الصمت
لكي ينتصر أجمل ما في الإنسان
على الهمجية
لا بدّ أن...
لا بدّ أن...
هنا تنتهي حدود "عِلْمي".
كريتاي ـ بادن بادن ـ كريتاي، تشرين الأوّل/ نوفمبر 2024
* ترجمة عن الفرنسية: محمد خماسي ومراجعة الشاعر
بطاقة
يمثّل عبد اللطيف اللَعبي أحد الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المغربي والعربي والعالمي. وقد ارتبط اسمه بمجلّة "أنفاس" التي أسسها مع رفاقه عام 1966، وحُظرت عام 1972؛ السنة التي اعتُقل فيها بسبب نشاطه السياسي قبل الإفراج عنه عام 1980؛ وهي التجربة التي وثّقها في كتابه "يوميات قلعة المنفى: رسائل السجن 1972 - 1980"، الذي صدر بالفرنسية عام 2005، وصدرت طبعةٌ جديدة منه بترجمة علي تيزلكاد عن "دار الرافدين" عام 2023.
1 الإشارة إلى ديوان "لا حيّ ولا ميّت" للشاعر السوري فرج بيرقدار، الذي ترجمه اللّعبي إلى الفرنسية عام 1998
2 لماذا؟ بالعبرية