أَدْناس استكشاف سريالي للشعوذة.. تجاورُ الظلام والضوء
استمع إلى الملخص
- تميزت المسرحية بأسلوب سريالي ورؤية إخراجية بديعة من أمين ساهل، حيث استخدمت الرموز البصرية والسمعية لتجسيد الصراعات الداخلية للشخصيات، ولعبت السينوغرافيا دوراً محورياً في تعزيز اللغة الدرامية.
- اعتمد الأداء التمثيلي على التقمص الجسدي والانفعالات الدقيقة، حيث تألقت هند بلعولة في تجسيد شخصيتين، وبرزت بشرى شريف وفريدة بوعزاوي في أدوارهن. قدم المخرج أحمد أمين ساهل تجربة مسرحية تتجاوز المحلي إلى العالمي بأسلوب سريالي.
تفتح مسرحية "أَدْناس" أفقاً درامياً يعكس هشاشة الإنسان وتعقيدات حياته، حيث تتقاطع رغباته العميقة مع الممارسات المظلمة التي قد يلجأ إليها هو أو يلجأ إليها الآخرون. وتتشابك في هذا العالم المسرحي الأسئلة الكبرى حول الحب والأمان والرغبة في الإنجاب، والسعي إلى الخلاص مع صراعات أخلاقية ونفسية، لتكشف كيف يمكن أن تتحول الاحتياجات الإنسانية إلى أدوات للإيذاء والتدمير حين تواجه الجهل أو الخوف أو القسوة الاجتماعية.
المسرحية، التي قدّمتها "فرقة ذاكرة قدماء ذاكرة مدينة خريبكة"، تُوّجت منذ أيام بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان، الذي عقد بين 14 و21 من الشهر الجاري، إضافة إلى جوائز أخرى، ضمن المسابقة الرسمية، بينها جائزة أحسن ممثلة لهند بلعولة وجائزتا السينوغرافيا والملابس للمصممة صفاء كريت.
تمتد المسرحية لساعة ونصف في ثلاثة فصول. وخلال هذا الوقت، تفوّق المخرج الشاب أمين ساهل في جذب الجمهور والخروج عن المألوف، عبر أسلوب سريالي ورؤية إخراجية بديعة. استُثمرت الخشبة كفضاء ممتد نحو الجمهور، ليصبح المتفرج جزءاً فاعلاً متصلاً بالعرض، تتحرّك فيه الشخصيات بين البيت والفصل الدراسي ومناطق الظلال، بينما تُستحضر الرموز بصرياً وسمعياً، بدءاً بالعين الكبيرة المتدلية وسط الخشبة وصولاً إلى هيكل الحوض البشري المزيّن برؤوس الحيوانات، لتجسيد الصراعات الداخلية والرغبات المكبوتة لكل شخصية.
أسلوب سريالي يستحضر الرموز دون إحالة إلى ثقافة معيّنة
تعدّ السينوغرافيا عنصراً محورياً في اللغة الدرامية للعرض؛ فالإضاءة تتدرّج بين الظلام والضياء لتعكس التحولات النفسية، بينما الملابس والألوان تميّز بين الخير والشر، بين الطهارة والتلوث، وبين الشخصيات التي تتعرض للأذى وتلك التي تغرق في الفساد. ترافق الموسيقى الحيّة الأحداث بشكل متكامل، مضاعِفة الإحساس بالتوتر والانفعال، ما يمنح كل مشهد قدرة أوسع على إبراز انفعالات الإنسان وأثر الشَّعوذة عليه وعلى المحيط.
يقوم الأداء التمثيلي على التقمص الجسدي والانفعالات الدقيقة؛ إذ تلبس الممثلة هند بلعولة شخصيتين: الأب المغدور به، والطالبة فاطمة الباحثة عن احتياجاتها العاطفية والمعنوية، بمزيج من التوتر والصدق. ويشخص الفنان أمين التليدي، ببراعة، دوري الساحر والأستاذ، فيما تؤدي بشرى شريف شخصية عائشة؛ المرأة التي تقع ضحية أحد ممارسي الشعوذة، في رحلة نفسية متدرجة تكشف الصراع الداخلي والتأثيرات الخارجية. كما تبرز فريدة بوعزاوي في دور الجارة الشريرة، بلباس غامق اللون تملؤه الأقفال، بما يحيل إلى الشر والدنس (مفرد أدناس).
يكتمل النسيج التمثيلي بمساهمة باقي أعضاء الفرقة، التي قدمت مسرحيتها أول مرة بداية العام الجاري في المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، ما يخلق تفاعلات متشابكة تنسجم مع بنية العمل وتضفي عليه مصداقية عاطفية وفكرية.
يبني المخرج أحمد أمين ساهل رؤيته على أساس محايد، بعيداً عن أي إشارات ثقافية محددة، ليقدّم تجربة مسرحية تتجاوز المحلي إلى العالمي. اعتمد أسلوباً سريالياً معاصراً يستحضر الطقوس والرموز دون إحالة مباشرة إلى ثقافة معيّنة.
ويصف أمين ساهل، في تصريح لـ"العربي الجديد"، "أدناس" بأنها "مغامرة فنية خرجتُ فيها من منطقة الراحة لتجربة أساليب جديدة، مستفيداً من حكاية شابة تنتمي إلى هذا المجتمع، بحثتُ من خلالها بعمق في موضوع الشعوذة، لأقدّمه بأسلوب مختلف عمّا سبق لي تقديمه، على نحو سريالي يمزج الفكر بالفن ويضع الإنسان وأسئلته في صميم التجربة المسرحية".
من الناحية الفنية، يظهر العرض توازناً متقناً بين عناصره: الحركة والإيقاع، الإضاءة والديكور، الصوت والموسيقى، والأداء التمثيلي، ضمن رؤية إخراجية تجعل المسرحية تجربة متكاملة، غنية بالرموز والمعاني، تستدعي التفكير في دوافع الإنسان وراء الممارسات السحرية وأثرها على الذات والآخرين.
وفي هذا الإطار، تُقدَّم الشعوذة في "أدناس" كظاهرة تحمل أعمق ما في الإنسان من ضعف وطموح واندفاع، قادرة على تدمير النفس وإلحاق الضرر بالمحيط.