أيمن بوفراقش.. إيقاع بصري "بين قارتين"

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يقدم معرض "بين قارتين" للفنان أيمن بوفراقش تجربة فنية تعتمد على الانفعال العفوي، حيث تتكثف الألوان في مساحات متوهجة تستمد قوتها من الرمزية والسرد الشخصي والشطح السريالي.
- تعتمد لوحات بوفراقش على تراكم اللون وتكثيف التفاصيل، مما يخلق اتساقاً يخفف ارتباك العلامات ويحرر المشاعر، مع تداخل الهوية والزمن والوجود.
- يفرض أسلوب بوفراقش القائم على التفاصيل الدقيقة قراءة ثانية، حيث تعكس الأعمال توتراً وجودياً، وتتحول التفاصيل إلى كتابة ذاتية تضيء كل لوحة، مع حضور لافت لجماجم الثيران.

يقدّم معرض "بين قارتين" للفنان المغربي أيمن بوفراقش، المقيم في إسبانيا، تجربة تشكيلية تقوم على الانفعال العفوي بين صور الذاكرة وحركة العين داخل فضاءات مشبعة بدلالات المكان. تتكثف الألوان في مساحات متوهّجة تستمدّ قوتها من الرمزية والسرد الشخصي والشطح السريالي الذي يتخفّى أحياناً في عمق اللوحة.

يضم المعرض المقام حالياً في رواق مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج بالرباط، ويتواصل حتى الثاني عشر من الشهر الجاري، مجموعة أعمال تكشف حضوراً بصرياً قائماً على التراكم المشهدي وتوظيف اللون باعتباره إشباعاً حسّياً للموضوعات. تتقدّم التفاصيل الدقيقة في منمنمات تغمر سطح اللوحة بومضات من ذاكرة فنان يتنقّل بين مدن مغربية وأوروبية.

تتنفّس لوحات بوفراقش من خلال مشاهد صغيرة متداخلة. ويعتمد الفنان على تراكم اللون وتكثيف التفاصيل مع منظور تجريبي يراوح بين الفطرة والتكوين الأكاديمي الكامن. تبدو الأعمال مفعمة بفوضى ظاهرة تُخفي اتساقاً داخلياً دقيقاً يوجّه القراءة. الألوان الحارّة تمنح اللوحات قواماً بصرياً واحداً داخل تنوّعها، وتتوالى الإيقاعات اللونية من الأصفر والأزرق والأحمر في مساحة منظورة تخلق اتساقاً يخفّف ارتباك العلامات ويحرّر المشاعر في تموّجات هادئة.

يتقدّم اللون أوّلاً. يتحرّك على سطح اللوحة كمادة حيّة. تتبعه التفاصيل التي تفتح الباب لتعدّد القراءات وفق التكوينات المتجاورة. بعض العناصر يظهر مرّة واحدة، فيما يتحوّل بعضها إلى موتيفات متكرّرة داخل العمل الواحد وأحياناً في أعمال أخرى. أشكال وصور مرصوصة تعيش بين الإلحاح الشعوري والدقّة الرمزية. هذا هو جوهر معرض "بين قارتين"؛ إحالة لا تتوقف عند الجغرافيا والاغتراب، بل تمتد نحو تداخل الهوية والزمن والوجود.

لوحات تنفتح على أسئلة العنف والزمن والآخر والفناء

يفرض أسلوب بوفراقش القائم على التفاصيل الدقيقة قراءة ثانية. تتوقف العين أمام كائنات هلامية وعيون متواترة وخطوط تمزّق بين لونين أو أكثر. تظهر الأجسام كأنها مقاطع من حلم أو كابوس. الخطوط الحادّة والوجوه المموّهة تعكس توتراً وجودياً يربط الإنسان بزمنه، ويحوّل الجسد إلى علامة على ثقل العبور بين الأمكنة.

تحيل أعمال الفنان إلى ثيمة مزدوجة: الوجود بوصفه سرداً، والذاكرة بوصفها حاملاً لهذا الوجود. وتُعرض اللوحات كسجلات سردية ذات طبقات متراكبة. لا يسعى الفنان إلى استرداد ماضٍ موضوعي، إنما يعيد تشكيل ذاكرته وفق منطق تشكيلي يجعل من كل خطّ وتفصيلة جزءاً من عملية تأويلية. التفاصيل هنا كتابة ذاتية صغيرة تضيء كل لوحة. هي شظايا ذاكرة يحفظها الفنان كي لا تتلاشى. يتحوّل التشكيل إلى وسيلة بقاء، وإلى حفظ بصري لانعكاس العالم كما عاشه. هكذا تتحوّل اللحظة إلى حالة مستمرة.

ورغم دراسته الفنون التطبيقية في طنجة، ثم تخرّجه في جامعة مالقة الإسبانية في تاريخ الفن، فإن بوفراقش ظل متمسّكاً بالعفوية الطفولية التي تقوده إلى الاكتشاف. ينزاح أحياناً من الحكي الرمزي إلى سريالية هجينة تعبّر عن فكرة مبهمة. يطفو الخوف والموت على سطح اللوحة ككابوس بصري. ويظهر الجسد هشاً وممدوداً وعارياً ورخواً كدودة. الجسد لا يُقدَّم للمتعة البصرية، إنما للدلالة الوجودية. الرغبة المطمورة تحرّك الشرّ في الجسد الضئيل الواهي المدفوع بقدر أعمى.

تحضر جماجم الثيران بشكل لافت داخل المعرض. تظهر العظام كخامة تشكيلية تستدعي الموروث الثقافي الإسباني وطقس مصارعة الثيران. القراءة العميقة تشير إلى جذور أكثر خصوصية. تعود بالذاكرة إلى طفولة الفنان، حيث كانت بقايا الهياكل العظمية مكشوفة للشمس والريح.

يشكّل معرض "بين قارتين" محطة تكشف قدرة الفنان على تحويل السرد الشخصي إلى خطاب بصري يلامس هشاشة الإنسان، ويعزّز حضوره داخل مسار التشكيل المغربي المعاصر.

المساهمون