أهداف سويف في "حديث الألف"... الكتابة على الأرض الوسطى
استمع إلى الملخص
- في ندوة بمكتبة ألف بالدوحة، ناقشت سويف أهمية الميتزاتيرا في ظل التحديات الحالية، مشيرة إلى وعي متزايد في الغرب حول التضليل الذي تعرضت له فلسطين، مما يعزز أهمية هذا المشروع.
- توقفت سويف عن العمل على روايتها الثالثة لتجنب استغلالها أيديولوجياً، وتظل ملتزمة بالكتابة من موقع الخسارة، مشيرة إلى فقدان قرائها الأوائل وأثرهم في تشكيل صوتها الأدبي.
اختارت الروائية المصرية أهداف سويف منذ عقود أن تسكن "الميتزاتيرا"، تلك المساحة الوسطى بين الشرق والغرب، الأرض المشتركة التي ورثها جيلها عن المفكرين الإصلاحيين العرب منذ محمد علي باشا. لم يكن هذا الاختيار حياداً، ولا موقفاً توفيقياً بين نقيضين. كان موقعاً استراتيجياً للمواجهة حيث الكتابة بلغة الآخر تفكك خطابه الاستشراقي من الداخل، والوقوف في المنطقة الوسطى يشيد جسراً ينقل الصوت الفلسطيني إلى الضمير الغربي، ويتصدى لمقولات التنميط الخاصة بالعرب والمسلمين.
دارت مساء الأربعاء الماضي حول هذه المنطقة المعرضة للهزات والأمل وإرادة مناضليها ندوة "حديث الألف" الشهرية في مكتبة ألف، التابعة لفضاءات ميديا بالدوحة، في لقاء أدارته الكاتبة اللبنانية هالة كوثراني، وشهد قراءة مقاطع من رواية "خارطة الحب" الإعلامي والفنان المسرحي رشيد ملحس.
ثمة أسئلة مباشرة: هل انهارت الميتزاتيرا؟ لماذا توقفت الرواية الثالثة؟ وأين موقع فلسطين من مشروعها الأدبي؟ من تأسيسها لمهرجان فلسطين للأدب (PalFest) عام 2008، إلى رحلتها الميدانية مراسلة للغارديان في فلسطين عام 2000، إلى ترجمتها "رأيت رام الله" لمريد البرغوثي، ظلت فلسطين محور اشتغالها الثقافي والسياسي.
الميتزاتيرا مشروع يعاد بناؤه يومياً في مواجهة الاستقطاب الحاد
كل نشاطها الأدبي والثقافي والسياسي كانت الظروف والوقائع المتصاعدة زمنياً تؤكد جدواه وبساطته ووضوحه: البوصلة دائماً فلسطين، لأنها ذات بعد جمالي وأخلاقي وإنساني يجمع غالبية الناس ويعزل أقلية مستفيدة من غياب العدل.
كتبت سويف روايتين فقط خلال مسيرتها؛ In the Eye of the Sun التي صدرت عام 1992 ولم تترجم إلى العربية، والثانية هي "خارطة الحب" (1999) التي أصبحت روايتها الوحيدة المتاحة عربياً كاملاً. في "خارطة الحب"، روايتها التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر عام 1999، ربطت الاستعمار البريطاني لمصر في مطلع القرن العشرين ببدايات المشروع الصهيوني في فلسطين، مؤكدة أن ما يحدث اليوم امتداد لما بدأ منذ أكثر من قرن.
في كتابها "Mezzaterra: Fragments from the Common Ground" جمعت مقالاتها على مدى خمسة وعشرين عاماً، نظّرت فيها لمفهوم الميتزاتيرا. في مقدمة الكتاب، اعترفت بأن هذه المساحة "تتعرض للهجوم من كل الجهات"، وأنها رأت "المساحة تتقلص والأرض تحت قدميها تهتز. الصفائح التكتونية تتحول إلى مواقع جديدة، وما كان سهلاً منفتحاً ومستوياً يلتوي ليصبح أرضاً وعرة غادرة".
اخترعت الكلمة لتقول إنها الأرض الوسطى بين ثقافات مختلفة، قالت سويف مجيبة عن سؤال "العربي الجديد" حول مصير المفهوم بعد عشرين عاماً من تنظيره. "كانت 2001 ضربة قوية لهذه الميتزاتيرا، لكن أعتقد أن هناك كثيرين من الناس ما زالوا يريدون العيش في هذه المنطقة. هؤلاء الناس الذين فهموا ما الذي يجري في هذا العالم، وخلصوا إلى أن الأرض الوحيدة التي يمكن العيش عليها هي الأرض المشتركة".
تفكيك فكرة الانتصار عبر صوت يرى التاريخ من زاوية الكلفة
لم تكن إجابتها انهزامية، كما قد يُتوقع من كاتبة شهدت تآكل المشروع الذي آمنت به. "من ناحية فلسطين والإسلام أصبح هناك وعي في الغرب بكم تعرضت هاتان الكلمتان للتضليل. عندي قناعة بأن أناساً كثر يهاجرون الآن إلى ميتزاتير". ثم أضافت بنبرة واقعية: "ما الذي يمكن أن يتحقق؟ وهل يمكن أن تستمر وسط إرادات الحرب؟ لا أعرف".
هذا التأرجح بين التفاؤل الحذر والشك الوجودي يلخص موقف سويف الراهن ومفاده: لا استسلام للانهيار، ولا يقين بالانتصار. الميتزاتيرا لم تعد وعداً تاريخياً موروثاً من جيل النهضة، وإنما مشروع يُعاد بناؤه يومياً في مواجهة الاستقطاب الحاد.
بعد وصول "خارطة الحب" إلى القائمة القصيرة للبوكر ونجاحها الجماهيري، وجدت سويف نفسها تمتلك منصة إعلامية لم تكن متاحة من قبل. "كنت أشعر بالغضب مما يفعله الإعلام في القضية الفلسطينية". في العام التالي، اندلعت الانتفاضة الثانية، وطلبت منها الغارديان أن تذهب إلى فلسطين. ووقفت أمام سؤال التطبيع. "ساعدني إدوارد سعيد ورضوى عاشور ومريد البرغوثي في تسهيل مهمتي". ذهبت، وعاشت الحياة بالنهار، وفي الليل كانت تكتب. طلبت منها الجريدة ثلاثة آلاف كلمة، لكنها أصرت على نشر عشرة آلاف. "قلت لهم لن أتقاضى مالاً إضافياً فوق المتفق عليه". وافقت الغارديان، ونُشرت المادة على حلقتين.
البوصلة دائماً فلسطين، لأنها ذات بعد جمالي وأخلاقي وإنساني
قال لها مدير التحرير في الجريدة إن المقال "يُذكره بالمقالات التي كانت تخرج من جنوب أفريقيا في السبعينيات". كانت المقارنة بالأبارتهايد واضحة، وكان الثمن واضحاً أيضاً. "النتيجة بعد النشر كانت خمسين بالمئة مؤيدة وخمسين بالمئة شتائم. خسرت الجريدة بعض المعلنين، لكن المناخ العام كان يفيد بأن الجريدة عملت شيئاً جديداً". واحدة من المحاججات الموجهة إليها كانت: لماذا لم تقابلي مثقفين إسرائيليين؟ "قلت لهم: الإسرائيليون يملؤون الصحيفة عندكم".
حين توقفت عام 2007 عن العمل على روايتها الثالثة. كان السؤال آنذاك "نحن إلى أين ذاهبون؟" وجدت أن مصر في 2000 قبل الميلاد كانت تعيش السؤال نفسه. "وجدت الحل. كان في منظومة الأفكار التي وُضعت وبدأت فيها الدولة الوسطى، المتمثل في تشجيع الزراعة، ومشاريع الري الكبيرة، والتجارة، أي منظومة مؤسسة". لكن الحرب اندلعت وانتصر الجنوب. الرواية كانت ستُروى من وجهة نظر امرأة من الشمال المهزوم. "هي فكرة المهزوم.. كيف يعيش؟ وكيف يستمر؟ وكيف يعطي ويقدم؟" الاختيار السردي لم يكن تفصيلاً ثانوياً. كان جوهر المشروع.
لم أبدأ الكتابة لأن لديّ رسالة، وإنما لأنني أحب الحكايات
الكتابة من موقع الخسارة، لا من موقع المجد. تفكيك فكرة الانتصار عبر صوت يرى التاريخ من زاوية الكلفة. وأشارت إلى أن صعود خطاب الكمايتة الذي يعيد توظيف مصر القديمة في إطار هوياتي صلب وإقصائي سيجعل الرواية عرضة للاستغلال الأيديولوجي. النص الذي أرادته نقداً للهوية الصلبة قد يُستخدم لتكريسها، فاختارت الصمت مؤقتاً، وهي تعلم أن الكثيرين ينتظرون روايتها بصرف النظر عن ترندات الهويات. "لم أبدأ الكتابة لأن لديّ رسالة، وإنما لأنني أحب الحكايات".
في لحظة نادرة من البوح الشخصي، قالت سويف: "والدتي، وزوجي، وإدوارد سعيد كانوا قرائي الأوائل. وهؤلاء ماتوا تباعاً". الجملة تحمل ثقلاً أكبر من الحزن الشخصي. القراء الأوائل ليسوا مجرد جمهور، وإنما المرايا التي تختبر فيها الكاتبة صوتها قبل أن يصبح عاماً.