أنور عبد الملك: أفكار لا تزال في المنفى

23 أكتوبر 2020
الصورة
أنور عبد الملك في بورتريه لـ أنس عوض (العربي الجديد)
+ الخط -

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الثالث والعشرون من تشرين الأول/ أكتوبر، ذكرى ميلاد المفكّر المصري أنور عبد الملك (1924 - 2012)، الذي لا يزال جزء من فكره يعيش بعيداً عن الثقافة العربية.


هناك مقولة تفيد بأن موت عالمٍ أشبه باحتراق مكتبة. لكَمْ ينطبق ذلك على الكثير من المشتغلين بالفكر عربياً، ومن بينهم أنور عبد الملك (23 تشرين الأول/ أكتوبر 1924 - 2012). صحيح أن هناك نوعاً من الاحتفاء والاعتراف به، ولكنه لم يمثّل أبداً جزءاً من "الدارة" الأساسية للفكر العربي، وهو ما يمكن أن نلتقطه من مؤشرات عدة، أوّلها الفارق بين رصيد مؤلفاته في الفرنسية وما وصل منها إلى العربية.

فأفكار ومؤلفات كثيرة لا تزال أسيرة لغة أُخرى، منها: "مدخل إلى الفكر العربي المعاصر"، وخصوصاً عمله الموسوعي "الفكر السياسي العربي المعاصر"، وفيه لا يقف عند المعترَف به كفكر سياسي منتظم في نظريات، بل يدرس أيضاً الممارسة السياسية باعتبارها إمكانية قد تفضي إلى فكر سياسي أو أنها انعكاس له، كما ساهم في إعداد "أنطولوجيا الأدب العربي المعاصر"، ويُحسبُ له أنه أنصَف الكتب ذات الطبيعة الفكرية، وهي ممّا يتجاهله الغرب عادة. وهناك أيضاً ما بقي مبعثراً في المجلات العلمية الفرنسية ولم يصدر في كتب، وهذا جانب شبه ضائع في الثقافتين على حد سواء، ما لم يتوفّر جهدٌ بحثّي يلاحقه في الأرشيفات.

أمّا إذ قصرنا النظر في ما هو متوفّر بلسان عربيّ من أعماله فسنجد فئتين: كتب مترجمة وأُخرى مؤلفة، وفي كليهما نقع على شيء من الفوضى؛ حيث تختلط الفصول بين كتاب وآخر، وبعضها اعتمد تجميع المقالات (ذات الأصول البحثية في الفرنسية أو تلك التي نشرها في منابر صحافية)، كما أن بعض الكتب يبدو وكأنه نُشر ولم يوزّع أو قُرئ بشكل محدود، وأن بعض الكتب مثل: "المجتمع المصري والجيش" و"دراسات في الثقافة الوطنية"، قد التهمت حظوظ المؤلفات الأخرى فدفعتها إلى الظل. كما أننا نقف على بعض النقاط المحيّرة حين نفحص قائمة أعماله؛ إذ لا نعثر مثلاً على كتاب تذكره بيبليوغرافيات لكتاباته تظهر في كتبه بالفرنسية، مثل كتاب له بعنوان "مكتبة الأفكار" (1959)، وآخر من ترجمته بعنوان "مدخل إلى الفلسفة" (1957)، وقد اشتهر حين صدوره إلى حد ما، لكنه اليوم مفقود.

هناك ما هو أكثر إشكالية في علاقة عبد الملك بالثقافة العربية، وهو ضآلة تأثير كتاباته في بيئة الباحثين العرب، على الرغم من أن مدوّنته تحمل سمة أساسية؛ فهي من المنجزات الفكرية العربية النادرة التي تقلّصت ضمنها تلك الفجوة النظرية والمعرفية بين المتداول عربياً وما يُنجز في الغرب ضمن العلوم الإنسانية. فكيف تتاح لثقافتنا فرصة من فرص اللحاق بآخر مستجدات البحث العلمي - على مستوى المناهج والجهاز المفاهيمي - وتهدر بكثير من النكران والتصامم؟

كان ذلك خلال فترة ألقه الفكري، بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي. لم يجر استيعاب تلك اللحظة عربياً، من جهة عبر تجاهل مقصود لاعتبارات سياسية، ومن أُخرى تحت ذريعة أن عبد الملك يكتب ضمن ثقافة أُخرى، وهو طرح يُغفل أن صاحب كتاب "الجدلية الاجتماعية"، وإن اعتمد على عُلبة أدوات العلوم الاجتماعية ذات المنشأ الغربي، إلّا أنه ظلّ ملاصقاً لإشكاليات الواقع العربي، وكأنه حملها في حقائبه وهو يغادر مصر إلى فرنسا. وقد ضرب بذلك مثلاً بأنه يمكنك أن تكتب بأية لغة، وأن تعتمد أي منهج، وأن تظل رغم ذلك وفياً لقضاياك وأسئلتك الأولى.

المعرفة الاستشراقية ليست سوى تغطية جوية في حرب حضارية

هكذا، فمن غير المُجحف أن نقول بأن عبد الملك لم يُرزق تلاميذ عرب، بل لم تتوفّر إرادة لتبنّي مقولاته وتطويرها وتحيينها، ربما في ما عدا استئناف أطروحته التي ضمّنها في مقاله "الاستشراق في أزمة" (1963)، من قِبل إدوراد سعيد، وقد فعل ذلك ضمن "دارة" الثقافة الأنغلوفونية أولاً. فكيف نفسّر هذه القطيعة على الرغم من توسّع شريحة الباحثين ضمن العلوم الاجتماعية والسياسية في العقود الثلاثة الأخيرة؟

هكذا، فإننا حين نستعير مقولة المكتبة المحترقة، فإنها - مع عبد الملك - لا تعني فقط أن رحيله ذهب بما في ذاكرته من معارف وتصوّرات وتنظيرات، بل إن الناظر في مجمل حياته سيجد أنها سلسلة من الحرائق والإهدارات، بداية من سنوات تحصيله المعرفي مع موجة القمع السياسي في مصر الخمسينيات، وصولاً إلى إقصاءاته متعددّة الوجوه، ولا يزال النفي مستمراً إلى يومنا هذا.

لو عدنا إلى البدايات، سنجد أن أنور عبد الملك كان وريث مرحلة، نسميها بعصر النهضة إذا اعتمدنا سلّماً زمنياً واسعاً، حيث صبّت في ضميره طموحات القرن التاسع عشر ونخب دولة محمّد علي بتطلّعاتها إلى التحديث وتهيئة الأسباب له. كان الفتى سليل أسرة قبطية قاهرية مشتبكة مع عالم السياسة، وكان والده أحد قيادات "حزب الوفد"، ومن خلاله احتكّ باكراً بوجوه المجتمع المصري ضمن تطلّعات التأسيس للسيادة الوطنية، وهو أفق سيظل يلازمه طوال مساره المعرفي. 

وإلى ذلك، كان الفتى وريث ثقافات متعدّدة؛ ثقافة الجذور بالتوغّل في تراث الأمة وملامسة طموحاتها الراهنة، وثقافة الانفتاح المعرفي التي أتاحها وجود مؤسسات تعليمية تراوح بين الرافد الشرقي والوافد الغربي. ويجدر بنا أن نلتفت إلى نقطة ذات دلالة، فقد رحل عبد الملك الأب وكان أنور في سن الثامنة، فكان بذلك وريثاً لمكتبة لطالما أشار إليها، خصوصاً في ما يسمّيه "إيقاظ الوعي".

في حديث تلفزيوني، أواخر حياته، سُئل عبد الملك عمّا دفعه إلى تكريس حياته للفكر، ولماذا اختار التحرّك في ميادين شتى بين علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد وغير ذلك من المعارف. يشير هنا إلى حادثتَين؛ كلاهما مرتبط بمكتبة والده؛ الأولى في سن الخامسة حين كان الأب يقرأ الكتب ويسرد بعض الحكايات التاريخية على ابنه، وقد أشار الوالد ذات مرّة إلى الحرب اليابانية الروسية (1904 - 1905)، وهنا وردت على لسانه عبارة ستظلّ عالقة في ذهن الطفل: "هذا أوّل انتصار للشرق على الغرب".

أما "الحدث المعرفي" الثاني الذي يذكره المفكّر المصري، فكان حين وقع ضمن أحد مصنّفات المكتبة على مقولة كارل ماركس: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم، أمّا الهدف فهو تغييره". فكرة التغيير هذه عميقة جدّاً في منجز عبد الملك لاحقاً (خصّص لها كتاباً صدر في 1985 بعنوان "تغيير العالم"). 

الصورة
الفكر السياسي العرب الحديث - القسم الثقافي

آمن عبد الملك بأن التغيير هو القانون الضمنيّ للعالم، يحدث باستمرار بتوجيه من الإرادات المتنازعة، والمفكّرون هم من يرافقون هذا التغيير بالتعبير النظري، ما يتيح لمجتمعاتهم فرصة التأثير في توجيهه لمصالحهم وليس تلقّيه كما هو. دور المفكّر إذن هو التعبير عن أمر غير مرئيّ، فالتغيير يحدث على مستوى العلاقات أولاً، ثم على مستوى المرئيّ والمحسوس، ومن يريد أن يرى ذلك عليه أن يوفّر عدّة نظرية لا يُحصيها اختصاص وحيد. الموسوعية بهذا المعنى ليست ترفاً، إنها أداة من بين أدوات أُخرى كثيرة ينبغي أن تتوفّر للمفكّر بما يؤهّله للنظر في الواقع، ما بالك بمن يضع على كاهله طرح مشروع حضاري.

بهذه القناعات الأولية الحدسية، دخل أنور عبد الملك مغامرة الحياة المعرفية، ولقد أتيح له في سنوات التحصيل الجامعي أن يشتبك مع جيل آخر من المثقفين المصريين والعرب كمدرّسين وكأصدقاء وكأشخاص تقاطع معهم في دوائر السياسة والثقافة مثل طه حسين وعبد الرحمن بدوي وفؤاد زكريا ومالك بن نبي. للأسف فإن ثمرة تقاطع جميع هذه الروافد في عقل واحد لم نر ثمرتها في بيئة محلية وتأجّل إيناعها إلى زمن آخر في مناخ مغاير.

انتمى عبد الملك في هذه الفترة إلى تنظيمات يسارية، ما أدخله في دوامة من التضييقات مع تشديد قبضة نظام "الضباط الأحرار" على حرية التعبير والانتظام السياسي، وخصوصاً مع قطعهم البائن مع اليسار منتصف الخمسينيات. دفع عبد الملك بعضاً من عمره بين الاعتقالات، وسيدفع الجزء الأكبر في الغربة، إذ أجبره الطغيان على مغادرة مصر إلى فرنسا حيث تفرّغ للفكر والمعرفة، تحصيلاً ثم تدريساً وكتابة وبحثاً.

من زاوية ما، لا شك أن قطع الطريق عليه في السياسة أفاده في تطوير أدواته المعرفية، لكن من زوايا أُخرى لنا أن نشعر بمأساة شاب عربي تُهدِر السياسة سنواته وتجبره على "السكن" إلى ثقافة أخرى، وكم من مشروع مفكّر بُتر بالشكل نفسه وربما لم يجد في فضائه الجديد ما يكفي من الشمس والهواء كي يواصل نموّه. 

أتاحت فرنسا للشاب المصري تقوية عضلاته المعرفية بشكل سريع، فحاز شهادات علمية في علم الاجتماع والعلوم السياسية، وتابع التحصيل في الفلسفة والاقتصاد والتاريخ. لكن، لم تكن فرنسا مفروشة بالورود أمام الشاب المصري، في 1962 وضع مقالة "الاستشراق في أزمة" كاشفاً من جهة عن النقص المعرفي للباحثين الأوروبيين تجاه موضوعهم؛ الثقافة العربية بامتدادها الحضاري الذي لا يمكن قياسه بأدوات المعارف التي تولّدت في ثقافات غربية قامت منذ بضعة قرون لا غير. ومن جهة أُخرى، أشار إلى كون المعرفة الاستشراقية ليست سوى تغطية جوية في حرب حضارية.

تسبّبت له هذه الدراسة في حالة من النبذ في فرنسا، حيث وجد عبد الملك صعوبة في نشر مقالاته العلمية في المجلات المتخصّصة، ولا شك أنه قد خسر بعض السنوات في التدرّج الوظيفي ضمن المسار الجامعي. لم يحرّره من هذا الوضع إلا التفات دوائر البحث الإيطالية، فقد كانت - من حسن حظه - ناشطة في ذلك الوقت ضمن مباحثه نفسها حول تجديد الاشتراكية وفهم فروقاتها بين الثقافات.

جرى تجاهُل أعماله بذريعة أنه يكتب ضمن ثقافة أُخرى

بهذه الالتفاتة، فتح الإيطاليون لعبد الملك أبواب دور النشر الفرنسية الكبرى، واتضح أن سنوات تعطيل إصدار مقالاته العلمية لم تكن سبباً في تعطيله عن التأليف، وخصوصاً تطوير الأدوات، حيث أظهر حسّ مراجعة لافت للوسائل النظرية التي يعتمدها. وفي هذه الفترة - من 1969 إلى 1980 - يمكن وضعه بين أنشط أسماء العلوم الاجتماعية في الغرب.

كانت لهذا الاعتراف أصداؤه في الثقافة العربية، فقد تواترت في السبعينيات ترجمات أعماله، دون أن يعني ذلك أن مقولاته الكبرى أصبحت متداولة، مثل إشكالية التعثّر النهضوي والعدالة الاجتماعية ونقد التبعية، وخصوصاً حديثه عن الاستراتيجية الحضارية التي ينبغي للأمة العربية صياغتها، وبناء علاقات مع الدوائر الجيوثقافية التي تحيط بها، ما يتيح تجاوز ثنائية شرق/ غرب - والتي تفضي إلى معركة خاسرة بسبب تفاوت القوى - إلى المساهمة في بناء عالم متعدّد الأقطاب.

لقد أدير "ملف" حضور أنور عبد الملك بكثير من الدهاء السياسي في مصر، بداية من السبعينيات، ففي هذه الفترة من "موسم الأفراح الوطنية" بعد "نصر أكتوبر"، كان من الضروري أن يُظهر النظام ثقته في نفسه بتحرير عدد من الأسماء التي كانت ممنوعة أو معزولة، وفي الحقيقة لم يعد ممكناً تواصل غياب عبد الملك تماماً عن ثقافته الأم بسبب إشعاعه العالمي (في الثمانينيات سيكون لفكره حضور في الصين واليابان). 

هكذا دخل المفكر المصري دائرة الحضور عربياً، ولكن ضمن مساحة محدّدة، فعبر الحصار داخل النقاشات النخبوية كانت السلطة تأمن "شر" المفكرين، وفي الوقت نفسه لها أن تدّعي شرف فتح الباب للجدل الفكري. كان ذلك شكلاً من الإقصاء الجديد، بطرق مواربة، فوضع شخصية ما في خانة "مفكر كبير" خطوة تحييدية يمكن تسميتها بـ"الاعتراف التجميديّ".

لاحقاً، في الثمانينيات تحديداً، ابتُلي عبد الملك بنوع آخر من الاحتفاء، هو الاحتفاء السطحي، وقد كان له وجهان؛ الأول حين أعلنت بعض التيارات اليسارية أنه يمثّل مرجعيتها، ما ساهم في مزيد من "حشره" في تصنيف اليساري، وكأنه يفكّر لفئة دون غيرها، فساهم ذلك في تكريس عزلته رغم حضوره المتجسد في عودته إلى مصر حيث استقر لعدة سنوات شهدت نشر بعض الأعمال التأليفية، وإعادة طبع أو ترجمة أعمال قديمة له. بمرور السنوات، تعدّدت الطبعات الشعبية لأعمال بعينها، وظهر عبد الملك بوتيرة أعلى في الإعلام، لكن رغم ذلك بقي صاحب "نهضة مصر" مقصياً من "الدارة" الأساسية للثقافة العربية، سواء بوجهها الأكاديمي أو ضمن الإطار الثقافي الأوسع.

هناك شكل آخر من الاحتفاء ابتلي به المفكّر المصري، هو الاحتفاء التجزيئي، مثلاً حضر اسمه في 2016 ضمن "موسوعة الفلاسفة العرب"، لكن المقال الذي تناوله يحصره في مفهوم وحيد هو مفهوم "الخصوصية"، ويُخفي بذلك جهازاً مفاهيمياً متكاملاً، بل مجمل مشروع أنور عبد الملك.

يدلّنا كل ذلك على إشكالية قلما طُرحت ضمن النقاش العمومي، وهي سياسات حضور مفكرينا داخل ثقافتنا، حضور تديره السلطة بخيوط خفية، وكثيراً ما يستسلم له المثقفون، ناهيك عن أدوار تظلّ غامضة تتشكّل ضمن البيئة الثقافية نفسها. ولا ننسى الدور السلبي الذي تلعبه المجتمعات ذاتها بتنصّلها من هذه الصراعات التي لا تسمع عنها شيئاً ولا تعيرها اهتماماً إذا سمعت عنها، في حالة معمّمة من إعفاء النفس من البحث والتفكير. فكيف لنا أن نتحدّث بعد ذلك عن استحضار مفكرّ متطلّب بمقولات لاستنهاض الحضاري مثل أنور عبد الملك؟ في المحصلة، تبدو النتيجة منطقية إلى حد كبير: اعتراف يخالطه النكران، فما هذا الاعتراف إلا كغلاف يودّ أن يخفي ما في باطن فكرٍ بدل أن يكون مدخلاً أو عتبة له.

قد نتوقّع أن لحظة اهتزاز السلطة في منعطف مثل ثورة "25 يناير" ستشهد استعادة طبيعية لمنجز عبد الملك، لكن حَدَث ذلك بالحد الأدنى. ظهرت مثلاً عودة قوية - في مصر وتونس خصوصاً - إلى مقولات المفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي لتفسير ما حدث، ولم يظهر شيء بذلك الزخم حول عبد الملك. هكذا تتوالى أجيال تشيح بنظرها عن مدوّنة عبد الملك، وكيف سنرى واقعنا ما لم نتّخذ موطئ قدم فوق أكتاف الكبار؟ هل يوجد ما يمنعنا من أن نرى واقعنا من على أكتاف أنور عبد الملك؟

رحل المفكّر المصري عن عالمنا سنة 2012، في صمت من باريس. صمت تقابله ضوضاء "الثورات" العربية التي لم نسمع رأيه فيها وهو المنصتُ بانتباه إلى تحوّلات البلاد العربية على مساحة زمنية واسعة. ذلك هو المعنى الأكثر قسوة لاحتراق مكتبة، أن تحترق دون أن تضيء ما حولها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين لغتَين

تتوزّع كتابات أنور عبد الملك بين لغتين، لكنها جميعاً تشتغل على مادّة واحدة؛ المجتمع المصري بتعدُّد وجوهه السياسية والثقافية. من أبرز أعماله بالفرنسية: "مصر والمجتمع العسكري" (1962)، و"أيديولوجيا النهضة الوطنية" (1969)، و"مدخل إلى الفكر العربي المعاصر" (1970)، و"الفكر السياسي العربي المعاصر" (1970، مع طبعة مطوّرة في 1980 باتت مرجعية لكل مشتغل على التاريخ السياسي العربي باللغة الفرنسية، و"الجدلية الاجتماعية" (1972)، دون أن ننسى مقاله "الاستشراق في أزمة" الذي وضعه في 1962، وأطروحة الدكتوراه التي حملت عنوان "مواد لدراسة الفكر العربي المعاصر" (1964).

في بداياته، كان عبد الملك ينوي أن يجعل من العربية لغة التأليف، غير أن التقدُّم في الفضاء الأكاديمي اقتضى أن يُحوّل جهد الكتابة إلى اللغة الفرنسية، دون أن يمنعه ذلك من وضع بعض المؤلّفات بالعربية أبرزها "دراسات في الثقافة الوطنية"، ثم جاءت موجة ترجماته التي أوصلت كتباً مثل "الفكر العربي في معركة النهضة" (1974)، و"نهضة مصر" (1983) و"المجتمع المصري والجيش" (1989) إلى العربية.