"أنطولوجيا النساء الفيلسوفات" المنسيات في تاريخ الحكمة
استمع إلى الملخص
- يستعرض الكتاب أسماء نسائية بارزة في تاريخ الفلسفة مثل أسبازيا وهيباتيا، ويبرز استثناءات من الفلاسفة الذكور مثل ابن رشد الذين دعموا المرأة.
- يوضح الكتاب إسهامات النساء الفيلسوفات مثل حنّة آرنت وسيمون دوبوفوار في تحدي النظرة التقليدية، ويشير إلى أهمية الاستقلال الاقتصادي للمرأة لتحقيق تحررها.
على مرّ التاريخ وتوالي الحضارات كانت الفلسفة خاضعة للهيمنة الذكورية، وكأن الفلسفة ميدان خاص بالرجال، لا دور للمرأة فيه، ولا وجود لأسماء نسائية كبيرة مشهورة، هذا ما يطرحه الباحث السوري يحيى زيدو في كتابه "أنطولوجيا النساء الفيلسوفات: دور المرأة في الفكر الفلسفي"، (دار أوغاريت، 2025) مشيراً إلى أن إقصاء المرأة والتمييز ضدها هو نتاج تاريخ طويل من الأفكار السلبية عن المرأة، أسهمت في تشكيلها وتكريسها عوامل فكرية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وإن اختلفت بين مجتمع وآخر.
وعلى الرغم من محاولات تهميش النساء والنظر إليهن بدونية في المجتمعات القديمة والحديثة على السواء، فقد نشأت في ستينيات القرن العشرين الفلسفة النسائية، في فرنسا، وما لبثت أن انتشرت في الولايات المتحدة الأميركية في سبعينيات القرن ذاته، وجاء ظهورها تعبيراً عن حركة اجتماعية ثقافية تحررية أصابت جميع حقول الوجود الإنساني، فكان للمرأة نصيبها من الإسهام في انتفاضة العدالة الكيانية هذه بين الجنسين الأنثوي والذكوري.
يستحضر الكتاب من ذاكرة التاريخ العديد من الأسماء النسائية البارزة في فترات زمنية مختلفة، بدءاً من الفلسفة القديمة الهندية والصينية واليونانية والرومانية والعصر الوسيط، مروراً بالفلسفة الإسلامية وصولاً إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، نساء تتقاطع أنشطتهن بفعالية بدرجة أو بأخرى مع الفلسفة، مؤكداً أن الفلسفة ليست علماً ذكورياً، بل هي حقل معرفة إنساني لا تمييز بين عقل مؤنث وعقل مذكر إلا بقدر المساهمة التي يستطيع العقل تقديمها، متسائلاً: هل للمرأة طريقة مغايرة في التفكير الفلسفي؟
إقصاء المرأة فكرياً نتاج تاريخ طويل من الأفكار السلبية
يستعرض زيدو عبر فصول الكتاب حال المرأة عبر العصور بدءاً من الأساطير وكيف صوّرت المرأة، ونظرة الفلاسفة الدونية لها، من خلال رؤية أفلاطون الذي دعا إلى "مشاعية النساء"، وربط بين المرأة وانحطاط الحكم، وأرسطو، الذي تُمثّل المرأة عنده ظاهرة من ظواهر الطبيعة، انطلاقاً من نظرته إليها في الأوضاع الاجتماعية السائدة في عصره، فالمرأة بالنسبة إليه هي الهَيولى والرجل هو الصورة، وفي الفلسفة المسيحية مثلّت فلسفة رينيه ديكارت حداً فاصلاً في الفلسفة وجسراً نحو الحداثة، إذ فصلت نظريته بين العقل والجسد، ما شكل قطعاً نهائياً مع الفكرة الأرسطية على أن الجسد والروح هما واحد، وأن العقل لا جنس له، وكان ديكارت من الأوائل الذين علّموا النساء الفلسفة، وبالرغم من هذا الأثر تتجه بعض النسويات، مثل سوزان بوردو، إلى اعتبار أن فلسفة ديكارت العقلانية، مثل معظم المدارس الفلسفية، مرتبطة بالذكورة، ومُؤسِسة لحداثةٍ تتجه علمياً وفكرياً بشكل واضح نحو الرجل.
في فلسفة عصر الأنوار ظهر إنسان هذا العصر، ذكراً أكثر من كونه أنثى، فالحقبة التي جعلت "الإنسان" مركزاً لفلسفتها، لم تكن منصفة تجاه المرأة، بدءاً من كانط الذي عرّف "الأنوار" بأنها "خروج الإنسان من القصور إلى الرشد العقلي، وكان يعتبر أن النساء "لا يصلحن لأمور كثيرة كبرى، فهن لسن مصنوعات للتفكير، بل أكثر اتكالاً على الحدس من العقل". أما جان جاك روسو فهو صاحب العبارة الشهيرة: "إن الرجل يكون أحياناً رجلاً، أما المرأة فهي دائماً امرأة"، ويرى هيغل أن النساء قادرات على التعلم، ولكنهن غير قادرات على العمليات التي تتطلب ملكات كونية مثل العلوم المتقدمة، وقال كيركيغارد: "إن المرأة نكتة، لأنها تعتقد أنه بإمكانها الوصول إلى المثالي، في حين تُظهر أنها غير قادرة على ذلك"، بينما هيمنت النظرة الدونية والعدائية للمرأة على أعمال شوبنهاور ونيتشه، إذ يرى الأول أن المرأة "ذات عقل أكثر ضعفاً، وأقل قدرة على فهم المبادئ"، أما نيتشه فقد تبنى في كتابه "نقيض المسيح"، مقولة: "المرأة هي مصدر كل الشرور".
ورغم ما سبق فإنه ليس من الدقة أن نعمم النظرة الانتقاصية للمرأة في الحقل الفلسفي، إذ برزت استثناءات قليلة تجاوزت حدود النظرة السائدة نحو آفاق أرحب وأكثر نقدية، وأحد تلك الاستثناءات الفيلسوف العربي ابن رشد الذي يُعتبر "من أحيا الفلسفة، وأنه من انتصر للعقل الإنساني برمّته".
ويشير زيدو إلى أن التاريخ الذكوري للفلسفة لا يمكن أن يحجب مساهمة المرأة في تطور الفلسفة المبكرة، فقد لعبت نساء فيلسوفات دوراً مهماً في هذا السياق، وأثبتن قدرتهن على التفلسف حين تتاح لهن فرصة مساوية للرجل، وانطلاقاً من هذا التصور.
أسبازيا أسست صالوناً أدبياً يحضره الشعراء والفلاسفة في أثينا
من الفيلسوفات اللاتي ذكرهن الباحث، أسبازيا التي كان بيتها صالوناً أدبياً يحضره شعراء الكوميديا وكبار الشخصيات، كما عبّر سقراط عن إعجابه بفصاحتها وتعلم منها فن الخطابة، وهناك ديوتيما المانتينية فيلسوفة نسوية ومعلمة للفيلسوف سقراط الذي كان يعترف بوجودها ويردد أفكارها، لا في نظريات الحب وحسب، بل في نظريات الإكسيولوجيا (القيم) والإبستمولوجيا (المعرفة، مصادر وأدوات) على حد سواء، وأيضاً جوليا دومنا ابنة مدينة حمص التي تركت أثراً عميقاً في الحضارة الرومانية، وكانت لديها اهتمامات فلسفية، عبر حضورها مجلس العلماء ومشاركتها في النقاشات، واهتمامها بالكتب التي أُمرت بتأليفها.
وتدافع ماكرينا في القرن الرابع عن خلود النفس التي تصفها بأنها جوهر مخلوق حي وعقلاني تتغلغل فيه قوة الحياة والقدرة على إدراك الموضوعات الحسية، وتحضر أيضاً هيباتيا الإسكندرانية التي كانت أول معلمة للفلسفة، وتدرّس كتابات أفلاطون وأرسطو، ولها إسهامات في العلم تشمل دراسة الأجسام السماوية، واختراع آلة لقياس الرطوبة، وإن تلميذها سينوس رئيس القساوسة كتب رسالة دافع عنها كمخترعة لآلة الاسطرلاب.
في الفلسفة الإسلامية تحضر رابعة العدوية التي جعلت من الحب الإلهي فلسفة خاصة بها، رغم أنها لم تقدم إرثاً فكرياً عنه، وأيضاً نانا أسماء بنت عثمان فودي التي كان لها أثر هام في النهوض بالثقافة العربية في أفريقيا، وتعليم النساء وتمكينهن، وإدماجهن في التنمية المحلية.
من الفيلسوفات اللائي توقف عندهن الباحث ملياً، وكذلك القارئ هي حنّة آرنت التي وصفت نفسها بالمنظّرة السياسية، وأشهر فكرة قدّمتها هي "تفاهة الشرّ"، مؤكدة أن الشر نتيجة أشخاص عاديين يتوقفون عن التفكير، ويطيعون الأوامر بلا وعي، وقد سعت آرنت لاستكشاف أصول الأنظمة الشمولية عبر كتابها "أصول الشمولية".
وتعد سيمون دوبوفوار صورة رمزية للمثقفات في النصف الأول من القرن العشرين، وهن نساء اعتقدن على صعيد مهنتهن وتعليمهن أنهن يُعاملن على قدم المساواة مع الرجل وقد كتبت في كتابها "سن النضج": "لم أكن أفكر في نفسي بوصفي امرأة: لقد كنت أنا"، كما ارتبطت دوبوفوار مع جان بول سارتر بعلاقة حب وشراكة فكرية وفلسفية، وفي كتابها "الجنس الآخر" تقول: "إذا كانت النساء لا يُحسنَّ المحاكمة العقلية، فليس لأنهن يعانين من عيب دماغي، بل لأن الممارسة لم تجبرهن على ذلك، ولأنهن لا يعرفن كيفية البرهان على آرائهن، واستخلاص النتائج، لافتقارهن إلى التقنية الفكرية"، وكانت تعتقد أن الاستقلال الاقتصادي للمرأة هو شرط حتمي لتحرر النساء، وطالما بقيت النساء ممنوعات من كسب حياتهن بأيديهن سيبقين مرتبطات بالآخرين.
وهناك أيضاً مجموعة كبيرة من النساء الفيلسوفات اللواتي ذكرهن الكتاب كانت لهن مساهمات متميزة في مجال الفلسفة يضيق المجال في هذه العجالة عن التطرق إلى إسهاماتهن الفكرية والمعرفية بالتفصيل مثل: هيلد جارد فون بنجن وكريستين دي بيزان وإليزابيت أميرة بوهيميا ومارغريت كافنديش وماريا غايتانا أنيزي، وهارييت تايلور مل، وأديث شتاين وروزا لوكسمبورغ التي أثرت في الحركة العمالية الأوروبية والماركسية ومناهضة النزعة العسكرية، والحركة الأممية، وسوزان لانغر وآين راند، وإليزابيت أنسكومب وفيليبا روث فوت، وماري وارنوك، وأميرة حلمي مطر، وكارول غيليغان، وغيرهن.
*كاتبة من سورية