أندري شوفريون.. المغرب كما رآه رحالة فرنسي عام 1905

26 سبتمبر 2020
الصورة
جمال فاس أبهر الرحالة الأجانب(ويكيبيديا)
+ الخط -

في سنة 1905، سيقوم الكاتب الفرنسي أندري شوفريون برحلة إلى المغرب، عبر مضيق جبل طارق، رحلة بحرية، نقلته إلى مدينة العرائش على المحيط الأطلسي، ومنها إلى أصيلة، ليصل في نهاية الأمر إلى فاس، حيث يقيم السلطان المولى عبدالعزيز. صدرت الرحلة في عام 1906 بعنوان Un crépuscule d'Islam: Au Maroc en 1905 ، وقام المترجم المغربي فريد الزاهي بنقلها إلى العربية، تحت عنوان "رحلة إلى المغرب" .

لم تكن معاهدة الحماية الفرنسية قد وقعت بعد بين المغرب وفرنسا، لكن الإدارة الفرنسية كانت قد استبقت تاريخ 1912، وبدأت في تعزيز وجودها في القصر السلطاني منذ 1900، وقد أرسلت أغلب رجالاتها من الجارة الجزائر، مستعينة بالمسيحيين واليهود في المغرب، لتعزيز المناسبة المهمة، وهي الإعلان عن الاحتلال الرسمي للمغرب بتوقيع المعاهدة السالبة للسيادة الوطنية.

في هذا الجو، من بداية القرن العشرين، الذي استشرست فيه القوى الاستعمارية على العالم العربي ودول الشمال الأفريقي، سيصل أندري شوفريون إلى المغرب، وبطبيعة الحال، كان من العادي جدا، أن يجد كل الترحيب من القنصل الفرنسي في فاس، وأن يعثر على البيئة المناسبة للتعرف على البلاد، بل والوصول بسرعة خاطفة إلى قصر السلطان عبد العزيز، للتعرف عن كثب على هذا الرجل، الذي حيكت حول سيرته الحكايات، فقد تقلد الملك، وهو بعد صبي، وبالتالي، كان دمية في أيدي الصدر الأعظم با أحماد، وزير والده القوي السلطان الحسن الأول. وقد تحقق الأمر بملاقاة المولى عبد العزيز في قصره في فاس، وهو في نهاية رحلته إلى المغرب، وقد دعاه السلطان إلى القصر، وتحدث معه لبرهة، قبل أن يغادر شوفريون المغرب.

عندما قام الكاتب الفرنسي شوفريون برحلته إلى المغرب سنة 1905 أدرك بسرعة المأزق السياسي الذي يمر به

ومن نتائج هذا اللقاء مع السلطان أنه كوّن عنه صورة إيجابية، غير تلك المتداولة عنه، وصافا إياه بأنه رجل متوقد الذكاء، يبدو متحررا من الشكليات، رغم أن البروتوكول الثقيل كان يكبله، ويعيده إلى سيرته الأولى، سيرة "أمير المؤمنين"، المسؤول عن الرعية، وهي مهمة دينية ودينية ليس من السهولة القيام بها، مع ما يمنحه القصر من إمكانية واسحة للتحرر داخل الأسوار، حيث يسرّي السلطان عن نفسه مع محظياته وحريمه، المستجلب من كل الجنسيات.

لم يكن المولى عبد العزيز شخصية انكفائية ولا انصياعية، وقد حاول الخروج من عباءة الوصاية التي مارسها عليه الصدر الأعظم. فبعد وفاة هذا الأخير في 1900، سيتقدم السلطان الشاب خطوة إلى الأمام، ويتصدر المشهد السياسي في بلاده، وفي تلك الأثناء، كانت المفاوضات جارية بين إسبانيا وفرنسا على اقتسام البلاد.

لم يكن المغرب وقتها يتمتع بتماسك بين مناطقه، برغم توفره على سلطة مركزية في فاس، يمثلها السلطان، فالعديد من مناطقه، كانت تدار بأسلوب التفويضات، حيث يتولى رجال القبائل الأقوياء مهمة النيابة عن السلطان وتمثيله، مما كان يؤدي إلى مآس وتحكم سلطوي يقوم على إخضاع السكان بالقوة وإرغامهم على دفع المال والضرائب المتعددة لممثلي الدولة/المخزن. لذلك عندما قام الكاتب الفرنسي شوفريون برحلته إلى المغرب سنة 1905، لم تكن تلك الإشكالات التي تعيشها البلاد بعيدة عنه، وسوف يدرك بسرعة المأزق السياسي الذي يمر به المغرب، والأسباب الكامنة خلف كل التخلف الذي لمسه وعاشه، وهو في طريقه من مدينة العرائش عبر أصيلة إلى مدينة فاس.

لقد كان على وعي تام بأن غياب إدارة حديثة للدولة، لن يساعد بلدا مثل المغرب، في ركوب موجة "التحضر" التي كان يرفعها المستعمر الفرنسي شعارا براقا لحملته الاستعمارية في شمال أفريقيا. يكتب شوفريون في مفتتح رحلته "فاتح أبريل/ نيسان، في عرض البحر. الطريق جنوب مدينة طنجة ليست آمنة، على الأقل حتى مدينة القصر الكبير. ولكي نتوجه إلى فاس، علينا المرور بمدينة العرائش. ركبنا سفينة عتيقة من مائة وخمسين طنا كانت تنهي أيامها، ولأنها لم تعرف النظافة منذ زمن، فقد أصبحت سفينة عربية. ومائة من العرب واليهود والريفيين كان عددا كافيا ليعمها الزحام.

كانوا مسترخين على ظهر السفينة أو على الجسر الفوقي أو في المعبر، على طنافس من القطيفة الوسخة للصالون، متلفعين ببرانسهم وجلابيبهم أو عباءاتهم اليهودية السوداء، متأهبين لتلقي دوار البحر. والشاطرون الأقوياء من بين المغاربة كانوا مقرفصين في حلقة يعدون الشاي، وأحدهم يعزف على قيثارته ذات الوتر الأوحد بعض النغمات الخفيضة، كما كان أحد اليهود يمطط ويغلق أكورديونا أوروبيا بئيسا. لكن، عند إقلاع السفينة على الساعة الثانية والنصف صباحا، في بحر ينعكس فيه الهدوء وزرقة السماء، قام أغلبهم ببسط زرابيهم وتمددوا عليها، أغمضوا أعينهم نصف إغماضة، وصار كل واحد منهم يدندن مغلقا فاه، متجاهلا من حوله نتفا من لحن عربي غريب الإيقاع، بفواصله المتكررة.

كان على وعي تام بأن غياب إدارة حديثة للدولة، لن يساعد بلدا مثل المغرب، في ركوب موجة "التحضر" التي كان يرفعها المستعمر الفرنسي شعارا 

ياله من إحساس بأن هؤلاء البشر وهذه الإيقاعات وهذه السفينة لها جوهر متباين، بما أن السفينة منتوج حضارة أجنبية عنهم. ثمة من جهة، مداخن الباخرة العابقة بخارا، والسلالم والكوى الحديدية، والمعبر الذي يتمشى فيه بحار إنكليزي، الوحيد من نوعه على ظهر الباخرة، الذي يصدر أوامره الصارمة للرجل ذي الجلباب الذي يدير الدفة، باختصار، كل ما لا يزال يذكر بعمل ونباهة أعراقنا الأوروبية على هذه السفينة الشائخة، ومن جهة أخرى هذه الوضعيات الواهنة، والعيون التي لا بصر لها لدى المغاربة، ومآقي اليهود الكبيرة وعيونهم السائلة ووجوههم الواهنة والمحلوقة بشكل سيئ، وأحذيتهم.. يا له من نشاز! ففي وسط هذه الأشياء الأوروبية، لا يحس الأوروبي أنه في بلده كما هو الحال عموما بالمشرق، بمجرد أن يدير الظهر لخلية النمل التي يشكلها الأهالي، ويضع رجله على سلم الباخرة".

 

يهود على السفينة

يصف شوفريون المسافرين الذين سافروا معه على ظهر هذه السفينة من جبل طارق نحو العرائش، يقول: على هذه السفينة التي تبدو لنا أنها سفينتنا بشكل خاص، نحن لا نختلف في الجوهر عن هؤلاء الريفيين المتوحشين ذوي الطابع الصبياني الذين يسافرون ببنادقهم وحمالات خراطيشهم المليئة، وخناجرهم الروممنسية في الخصر. وفي قاعة الأكل، على الكنبات المهترئة تتراكم الرزم التي تذكرنا بالقوافل أو بالأكواخ. ثمة سلال مغطاة بستائر غريبة أو مزينة بحمالات من السّوحَر، يبدو أنها تحمل المؤن والكسكس، ومكاحل مسورة بالنحاس ذات ماسورات منقوشة، وبنادق الريمنغتون والونشيستر، وصناديق من أزمنة غابرة ذات مسامير كبيرة ومغلقة بالقطيفة الخضراء. وثمة رزم كبيرة من الأثواب لا تبدو عليها للوهلة الأولى أي حياة.

وفي قمة هذه الكوم ذات الشكل الهرمي تلمع عيون نسوية من خلال شق الثياب. كان أفراد العائلات اليهودية أكثر عددا ومتكومين على أنفسهم، أجدادا وآباء وصبيانا، بحيث لا يفترقون بعضهم عن بعض في هذه السفينة كما في الحياة قيد أنملة. والنساء منهم، بوجوههن الوديعة الذكية، الشاحبة ذوات خمار الكتفين ذي الألوان الفاقعة.

 

في العرائش

إنها الروح العربية للدار المغربية التي تنبعث من عمق الحيطان، ورائحة الأخشاب النادرة، وربما كان ذلك خشب الأرز الذي استعمل في شقف الدار، يكفي أن أشمه كي يستثير في نفسي الشرق: فقد تشبعت به حوانيت دمشق والقاهرة، مخلوطا ببخور وصمغ جاوة والألوة مع دفق الجمال الرائعة التي كانت تمر تحت الأقواس البخورية. فتحت الستائر وأطللت من النافذة.

لم تعد الشقشقة التي كانت تتسلل من نومي من قبل تثير في نفسي الدهشة. ففي السابعة صباحا، كان سكان العرائش بكاملهم يتكدسون في هذا الزقاق الضيق. وهم بين أكياس الحبوب والقففف المقلوبة وركام الفصة والحمير الملتصقة بالحيطان عبارة عن زحام وخليط من اليهود بعباءاتهم السوداء، والنساء المتلفعات مثل الرزم والصبيان العراة، والبدو اللابسين الخرق، والبورجوازيين المغاربة. كل هذه الجمهرة من الناس التي تتعارك، وتساوم البضائع وهي تتضارب بالأكتاف وتجري في العتمة الخصبة في قعر هذا السرداب.

وحين فتحت عينيّ، كان علي للتو إغلاقهما للعديد من المرات قبل أن أتمكن من التعرف على البياض الناصع الذي يتراءى أمامي: سطوح ثلجية تحت نور الشمس، غير أنها مائلة إلى الزرقة بشكل خفي على الإدراك، كما لو أن ما تحت ذلك الثلج يكاد يلامس شفافية المرآة. وبعيدا من هناك، خلف خط من الألوان البيضاء المحززة، تمتد الزرقة الباهرة والثقيلة للمحيط الأطلسي السديمي، وإذا ما أنا أدرت رأسي شيئا ما نحو الشمال ثمة مصب نهر اللوكوس ذي الزرقة الملساء، حيث يمتد اللون الذهبي للرمل، ثم المجرى الأول للنهر وهو يتمدد بسعة السهول. يقال بأن هذه الحلقات الرائعة من بين أجمل أشجار البرتقال في العالم قد أوحت للقدماء بفكرة التنين، الذي كان يحرس، فيما وراء أعمدة هرقل حدائق الهسبريد(هسبريس) المسحورة.

 

لقاء السلطان عبد العزيز في فاس

في رحلته نحو فاس، سيكون على شوفريون أن يوفر كل سبل الأمان، وهذا لا يتأتى إلا بمرافقين ومترجمين وممثل للسلطات، في الغالب يكون عسكريا مسلحا، لا يهاب الفتك بقطاع الطرق أو معترضي القافلة. يكتب "وهنالك عسكريّنا، الذي اكترينا خدماته من السلطات المغربية، بثمن تسع بسّيطات(وحدة عملة مغربية في تلك الفترة) لليوم.

إنه يمثل المخزن المغربي ويوفر لنا الحماية المعنوية. لكن ليست البذلة العسكرية هي ما يصنع حظوته. فشاراته تختزل في طربوش لا يظهر من تحت عبه وسيف أقل ضخامة من خناجر خدمنا. والبرنس من الجوخ الأسود، الذي لا ينزعه أبدا يمنحه هيئة راهب، لكن تحت العب الأسود ذي الشكل المخروطي، ثمة جبين لامع حاد الملامح والسيف في الخاصرة.

وهو يبدو بوجهه الذي لا عمر له ذي المسحة الخلاسية، حيث تبدو آثار الجدري، وبعيونه اللامعة ولحيته الصغيرة، كما لو كان ساحرا مناجيا للأوراح، نصفه زنجي والنصف الآخر يهودي. إنه يسافر أيضا كما النساء، على مطيته العسكرية، وهو حمار قصير القامة يكاد زغبه الأشعث يتحول إلى فرو، وعلى فخذيه المتدليتين لباس داخلي اتسخ من وقت طويل يتجاوز الطرف القذر لجبته، وفردتا خفه، اللتان بالكاد يمسك بهما بطرفي رجليه العاريتين تتمرغان في العشب.

ذكرته فاس بدمشق والقاهرة ووجد أكثر من تقاطع بينها وبين المدن الشرقية، إنها بقدر ما هي امتداد تشكل حالة مغربية مخصوصة.

ولا كلام. فقط بالكاد غمغمة بشوشة لحظة الرحيل بمثابة تحية، فهذا الخلاسي الرائع لا يهتم بمظاهر اللياقة العربية. لهذا فإن اجترار مضغة التبغ على الطريق منعته من الكلام. وهكذا بدا أشبه بسحنة ساحرة ملتحية منه بساحر، بما أن الجنس يغدو ملتبسا في هذه المفارقات من القبح". في فاس سينبهر شوفريون بجمال المدينة وعتاقتها في الآن نفسه، وستأسره بسبب تنوعها البشري ولون السحنات والوجوه، وايضا بمعمارها وأسواقها وروائحها، وبجمالها النائم خلف الأسوار والأبواب الموصدة.

وذكرته فاس بدمشق والقاهرة ووجد أكثر من تقاطع بينها وبين المدن الشرقية، إنها بقدر ما هي امتداد تشكل حالة مغربية مخصوصة. وعند استقباله من طرف السلطان المولى عبد العزيز، ستترسخ في ذهنه صورة لن تنسى، يكتب "سوف يبقى في ذهني من هذه الزيارة للسلطان شيء واحد بالأخص، هو شساعة المكان الذي استقبلنا فيه، وصغر ومودة شخصية الحاجب الذي كان ينتظرنا في زاوية من الباحة. قام حاجب السلطان بقيادتنا حتى منعطف السور واختفى، وجدنا السلطان هناك بانتظارنا وعلى محياه ابتسامة تنم عن رعايته الملكية. كان جالسا على الطريقة الأوروبية على كرسي من خشب في عتبة باب صغير قد يكون باب حدائقه السرية، بحيث كان عليه أن يدفع فقط الباب كي يأتي لمقابلتنا في هذه الباحة.

سألني السلطان عن الاختراعات الآلية الكبرى في أوروبا ولا أدري أي كلمة عربية عبر بها عن الكهرباء. فضوله يكشف عن حدته في هدوء الكلام وسكون الحركة. كان بالتأكيد يعرف سر قوة الروميين وما يجعلهم منذ قرن خطرا على الإسلام. كان يحس بجاذبية تلك القوة وفي الآن نفسه يعرف أنها العدو لكل ما عليه الدفاع عنه".