أميركا اللاتينية.. واقع سياسي خرج من صفحات الرواية
استمع إلى الملخص
- مع بداية القرن الحادي والعشرين، شهدت المنطقة تحولات سياسية كبيرة، حيث صعدت الشعبوية والسلطوية، مما أدى إلى إعادة ابتكار "رواية الديكتاتور" بأساليب جديدة تركز على تأثير القادة المستبدين على المجتمعات.
- الروايات الحديثة مثل "تونغوليلي لا يعرف الرقص" تعكس التحولات السياسية والاجتماعية، حيث يظهر تأثير القادة المستبدين بشكل غير مباشر، وتكشف التناقضات في سلوكيات السلطة وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات.
يروي الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس، في كتابه "الرواية اللاتينية الكبرى"، عن لقاءٍ جمعه بماريو بارغاس يوسا في لندن عام 1967. وقد أفضى ذلك اللقاء، كما ذكر فوينتس، إلى فكرة دعوة نحو اثني عشر كاتباً من أميركا اللاتينية، للكتابة عن ذلك المعرض الذي لا ينضب من القادة المستبدين في المنطقة، وجمع نصوصهم في مجلد واحد بعنوان يحمل عنوان "آباء الأوطان".
لم ير المشروع النور. وبقي مجرد فكرة دون تحقّق. مع ذلك أسهمت تلك الفكرة في سبعينيات القرن العشرين في إطلاق سلسلة من الكتب التي تمحورت غالبيتها حول الرؤساء الطغاة. وقد أطلق النقد على ذلك النوع من الروايات اسم "رواية الديكتاتور"، وكانت أعمال مثل "أنا الأعلى" للكاتب البارغواياني أوغوستو روا باستوس، و"خريف البطريرك" للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، و"أسلوب المنهج" للكوبي أليخو كاربنتيير، و"طقوس الموتى" للفنزويلي أرتورو أوسلار بييتري، من أبرز روايات ذلك القرن. وقد وصفت، أدبياً، الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في بلدان المنطقة.
منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، لم تكن التحولات السياسية التي تشهدها أميركا اللاتينية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، مفاجئة لمن قرأ تاريخها السياسي والأدبي. فمسار الخريطة السياسية في أميركا اللاتينية خلال الأشهر الاثني عشر الماضية يبعث برسالتين واضحتين على الأقل. الأولى أنّ المشاريع التقدمية أو اليسارية الصريحة تعرّضت لهزائم متتالية في جميع الانتخابات التي شهدتها المنطقة عام 2025. وأسباب ذلك مختلفة بدءاً من الإكوادور إلى تشيلي، مروراً ببوليفيا وهندوراس وانتهاءً بالأرجنتين. أما الرسالة الثانية فتتعلق بالخيار الذي سلكه الناخبون، إذ منحوا أصواتهم لوصفات من الشعبوية العقابية أو النزعات السلطوية، وكافأوا مرشحاً من أقصى اليمين مثل ميلي أو خوسيه أنطونيو كاست، الذي يدافع عن إرث ديكتاتورية أوغستو بينوشيه، مؤكّدين أنّ المجال لا يزال مفتوحاً أمام تمدّد "ترامبية" بنسخة أميركية لاتينية.
كشفت التناقضات الصارخة في سلوكيات السلطة الحاكمة
هذا المسار السياسي لم يكن غائباً عن الرواية. فالأدب اللاتيني انشغل، منذ عقود، بسؤال السلطة، وبالعلاقة المتأزمة بين الحاكم والجمهور، وبالدورات المتكررة من الأمل الثوري ثم الانكسار. صعود اليمين المتطرف، وتراجع المشاريع التقدمية مع انتشار الفساد والفقر، وانتعاش الخطاب السلطوي، ليست ظواهر طارئة. هي إعادة إنتاج لأسئلة قديمة سبق أن صاغها السرد الأدبي بلغته الخاصة.
في هذا السياق، توحي روايات صدرت خلال السنوات الأخيرة بأن "رواية الديكتاتور" أعادت ابتكار نفسها بأساليب جديدة. أعمال مثل "حيوات ج. م." (2024) للكاتب والصحافي الأرجنتيني مارتين كابارّوس، و"أيام كيرشنر" (2018) للموسيقي والكاتب الأرجنتيني فيتو بايث، و"مذكّرات ابن عاهرة" (2019) للكاتب الكولومبي فرناندو باييخو، و"تونغوليلي لا يعرف الرقص" (2021) للكاتب النيكاراغوي سيرخيو راميريس، و"الوطن أو الموت" (2015) للكاتب الفنزويلي ألبرتو باريرا تيسكا، و"أزمنة قاسية" (2019) للكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا، و"لم أكن يوماً السيدة الأولى" (2017) للكاتبة الكوبية ويندي غيرا، تعكس جميعها تحوّلاً واضحاً في هذا الجنس الأدبي.
لم يعد القائد المستبد، في هذه الروايات غالباً، الشخصية المركزية في السرد. حضوره فيها بات غير مباشر. يُستعاد عبر المجتمعات التي شكّلها. أو من خلال مصائر شخصيات عادية تدور في فلكه. يتجوّل الفنزويلي هوغو تشافيز، والنيكاراغوي دانييل أورتيغا، والكوبي فيديل كاسترو، والأرجنتيني خافيير ميلي، بين صفحات هذه الروايات، بوصفهم قوى خفية تحرّك الخيوط. لم يعد التركيز على ملامح الزعيم. إنه على الخراب الذي يخلّفه: القمع والفساد، والخوف، والمنفى، والفقر.
هذا التحوّل السردي يوازي تحوّلاً سياسياً لا يقل عمقاً. ففي الماضي، كان الديكتاتور الذي يلبس البزة العسكرية يصل إلى السلطة عبر الانقلابات. أما اليوم، فكثيراً ما يأتي عبر صناديق الاقتراع مرتدياً ربطة العنق. اختارت شعوب هذه البلدان ميلي وبولسونارو، كما اختارت مادورو وأورتيغا. غير أن بعض هؤلاء يتصرّفون كما لو أن الشرعية الانتخابية تفويضٌ أبدي. هنا، تصبح الرواية أداة لفهم كيف تتحوّل الديمقراطية نفسها إلى ممرٍّ نحو السلطوية.
لم يعد القائد المستبد الشخصية المركزية في السرد الروائي
تُعدّ رواية "تونغوليلي لا يعرف الرقص" مثالاً بارزاً على هذا المسار. فكاتبها، النيكاراغوي سيرخيو راميريس، الذي شغل منصب نائب الرئيس في نيكاراغوا بين عامي 1985 و1990 قبل أن يتحوّل إلى معارض مُلاحَق، يرسم صورة بلد مختطف من دانييل أورتيغا وزوجته روزاريو موريو. احتجاجات 2018، التي انطلقت رفضاً لإصلاحات في نظام الضمان الاجتماعي، تتحوّل في الرواية إلى مرآة لانهيار العقد الاجتماعي، ولعنف دولة لا تحتمل أي اعتراض.
في "حيوات ج. م." يتناول الأرجنتيني مارتين كابارّوس حياة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي عبر شخصية متخيّلة تحمل صفاته وسلوكه السياسي. الرواية ليست سيرة ذاتية. وهي تهدف إلى إظهار تأثير السلطة على المجتمع من حول الزعيم: من الشوارع والمدن إلى المؤسسات العامة والخاصة، مروراً بتغير الخطاب السياسي وتفاعلات الأفراد العاديين. تبرز الرواية التناقضات في سلوكيات السلطة وتكشف كيف يمكن للقرارات السياسية أن تصبح قوة شكلية تتحكم بمصائر الناس.
أما فنزويلا، فتظهر في "الوطن أو الموت" كبلد عالق بين أسطورة الزعيم الراحل وإرث الوريث. يروي ألبرتو باريرا تيسكا الأيام الأخيرة من حياة هوغو تشافيز، وبدايات عهد نيكولاس مادورو، كأنها انتقال من كاريزما شعبوية إلى إدارة بيروقراطية للقمع. وفي "لم أكن يوماً السيدة الأولى"، تقدّم الكاتبة الكوبية ويندي غيرا صورة لجيل نشأ داخل خطاب ثوري فقد قدرته على إنتاج المستقبل.
يصل اليوم هذا المشهد الأدبي والسياسي في أميركا اللاتينية إلى ذروته مع اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو على يد قوة عابرة للحدود، اقتحمت بلداً وانتزعت رمز سيادته، كما لو أن التاريخ قرّر أن يكتب نفسه بيدٍ أخرى. ليس الحدث سياسياً خالصاً. هو مشهدٌ ينهض من قلب الواقعية السحرية ذاتها: سلطة تتبخر، ورئيس يُختطف من قصره، وزمن يتكشّف عارياً من أوهامه. قد تكون من سخرية الواقعية السحرية نفسها أن يقع هذا كلّه في المنطقة التي أنجبت الواقعية السحرية.