أفوقاي الأندلسي الموريسكي... التجول في باريس وأمستردام عام 1611

أفوقاي الأندلسي الموريسكي... التجول في باريس وأمستردام عام 1611

06 مارس 2021
الصورة
رسم لأمستردام في القرن الثامن عشر (Getty)
+ الخط -

تنطوي رحلة أفوقاي الأندلسي المسماة "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب"، على معلومات مهمة حول ترحيل الأندلسيين عن بلادهم في عهد الملك الإسباني فيليب الرابع، والعلاقات الدولية في بداية عصر النهضة الأوروبية، إضافة إلى الأوصاف التي كتبها لبعض المدن الفرنسية والهولندية التي زارها في مهمة دبلوماسية تكللت بالنجاح.

وصاحب الرحلة التي وصلنا مختصرها باسم "ناصر الدين على القوم الكافرين"، هو أحمد بن قاسم بن الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري الأندلسي، ويلقب كذلك بشهاب الدين أفوقاي بخارانو، وكان له اسم مسيحي حمله قبل فراره من الأندلس وهو دياغو بخارانو.

ولد شهاب الدين أفوقاي في العام 1569م في أصيل جهة الحجر الأحمر، وهي قرية لم يتمكن أحد من تحديدها على وجه الدقة، ولكنها قرب غرناطة على ما يبدو. وتعلم الإسبانية في صغره، والعربية حين بلغ العاشرة من دون أن يخبر والديه، لأنهما كانا يخافان عليه من العقوبات الجائرة التي تحكم على من يعرف العربية. ومنذ سنة 1588، أي عندما كان يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً، عاش في غرناطة وقرأ على الشيخ الفقيه الأُكيحل الأندلسي، الذي كان يعرف باسم إسباني هو ألونسو دي كاستيو، وعمل مترجماً لمطران المدينة، ولكنه هرب إلى المغرب عام 1598م، في مغامرة خطيرة معقدة، ودخل في خدمة سلطان مراكش مولاي زيدان كمترجم، وتزوج هنالك من ابنة البرطال، رئيس الطائفة الأندلسية في مراكش، فكان له منها ولدان وبنتان.

ويبدو أن أفوقاي استقر في تونس بعد المشاكل التي تعرض لها الموريسكيون في المغرب حيث اتهموا بالخيانة، وقتل الكثير منهم شر مقتلة، وحج إلى الحجاز وتوفي في تونس في العام 1641م.

أثناء إقامته في مراكش صدر الأمر الملكي الإسباني بترحيل الموريسكيين، فرحل قرابة المليون، ولكن الكثير منهم تعرضوا للقرصنة من جانب البحارة الفرنسيين الذين كانوا قد اتفقوا معهم على نقلهم إلى المغرب قبل أن يغدروا بهم وينهبوا أموالهم ومتاعهم، فكلفه مولاي زيدان بمهمة متابعة حقوقهم مع الملك الفرنسي بعد أن حصل على توصية خاصة من السلطان العثماني أحمد الأول، وهي توصية لعبت دورا حاسماً في حل هذه القضية.

وقد زار أفوقاي من مدن فرنسا باريس، وبوردو، وتولوز، وروان، ومن مدن هولندا أمستردام، ولايدن، ولاهاي التي تعرف فيها على الأمير موريس فان ناساو (1567م - 1625م) الحاكم الأعلى لجمهورية هولندا حيث كان يقود حرباً للاستقلال عن التاج الإسباني، وكان يطمح لتأسيس حلف مع المسلمين يتضمن تجنيد الموريسكيين للقضاء على إسبانيا.


في باريس

وصل شهاب الدين أفوقاي إلى ميناء هابري دي غارسي والذي يعني ميناء البركة، كما يقول، وتوجه إلى باريس التي يسميها بريش فكتب عنها: "هي دار سلطنة الفرنج، وبينها وبين مدينة روان نحو الثلاثة أيام، طولها خمسة آلاف خطوة وخمسمائة، وعرضها أربعة آلاف وخمسمائة خطوة وبيوتها عالية، أكثرها أربع طبقات وأكثر وأقل، وكلها عامرة من الناس، وديار الأكابر مبنية بالحجر المنجور إلا أنهُ بطول الزمان يسود لون الحجر. وتقول النصارى إن أعظم مُدن الدنيا القسطنطينية، ثم بريش، ثم أشبونة، ببلاد الأندلس".

رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب - القسم الثقافي

ويضيف معلقاً: "كان حقهم أن يذكروا مصر إلا أنهم يقولون لها القاهرة الكبيرة، وإذا جمعنا مع مصر، مصر العتيق وبولاق وقايت باي، لم ندر من هي أعظم بريش أو مصر بما ذكرنا".

وبعد أن تقدم بالشكوى إلى ديوان الملك الفرنسي لويس الثالث عشر الذي يسميه أبولوش، وجهوه إلى قاضي مخصص لقضايا الأندلسيين حكم بأن يأخذ خمس مال أغنياء الأندلسيين الذين تقطعت هم السبل في الأراضي الفرنسية، ولكن توصية وصلت من السلطان العثماني الذي لا يذكر اسمه، وهو بحسب تاريخ الرحلة السلطان أحمد الأول، نفعت الأندلسيين نفعًا عظيماً، كما يقول.

ويحدثنا شهاب الدين أفوقاي عن حوار دار بينه وبين مستشرق فرنسي يدعى برط (إبرت) تعلم العربية في مراكش، وكان يعمل جاسوساً للملك الفرنسي في تلك المدينة، حول كتاب القانون في الطب لابن سينا، وكتاب إقليدس في الهندسة، وكتب في النحو مثل الأجرومية، والكافية، وكتب أخرى بالعربية، وكتاب فيه مناظرات بين مسلم ومسيحي. وقد تولى أفوقاي الرد على ما ورد في كتاب المناظرة من أفكار مغلوطة عن الإسلام، كما يقول.


في مدينة بوردو

توجه شهاب الدين بعد ذلك إلى مدينة بوردو التي يسميها برضيوش، فلم يجد دار القاضي، وأخبروه أنه في مدينة سان جون دي لوز التي يسميها شان جوان ذلز، فوصل إليها عام عشرين وألف (1611م)، وكان فيها آخر من خرج من الأندلس، وذكر له أحد الأندلسيين ويدعى قُلِش، أن كتاب الديوان السلطاني في مدريد ذكر أن عدد الذين تم ترحيلهم بلغ ثمانمائة ألف أندلسي. وبعد أن أنجز أعماله مع القاضي الفرنسي الموكل بأمور الأندلسيين، عاد إلى مدينة بوردو وأعاد أغراض الأندلسيين المنهوبة من جانب الفرنسيين لكل من وكله بذلك من الأندلسيين.

ومن بوردو توجه أفوقاي إلى مدينة تولوز التي يسميها طولوث، ويقول فيها: "هي من المُدن العظام بفرنجة، على شاطئ نهر عظيم، وهو الذي يجوز على برضيوش (بوردو)، وبين المدينتين نحو الثلاثة أيام في النهر، وعزمتُ على أن نمشي في قارب (..) وركبتُ في القارب، وكان عامراً بالرجال، وبينهم قسيسان مترهبان، فعرفني واحدٌ من الذين كانوا بالقارب، وكنتُ كما تقدم من حين دخلتُ روانا (روان) لبستُ لباس الفرنج، وذكرني للقسيس، فناداني، وقال لي: اجلس بإزائي، فجلستُ، فقال لي: أنت مُسلم؟ قلتُ: مسلم الحمد لله، وكان يتكلم بلسان أهل الطاليان، وهو قريب جدًا من لسان أهل بلاد الأندلس العجمي، قال لي: لقيت في البندقية بعضاً من أهل دينكم، ورأيتهم يعملون شيئاً كأنه عبث، لا أصل له في الدين، قلت: ماذا رأيت منهم؟ قال: إذا نزلت نجاسة أو بول في حوائجهم يغسلونه بماء، وسألتهم عن ذلك السبب الموجب لغسله، ولم نجد عندهم خبر، قلت: السبب في ذلك أن كل مسلم عليه فرض أن يصلي كل يوم خمس صلوات، كل صلاة في وقتها ما بين الليل والنهار، ومن فرائض الصلاة أن يكون طاهراً في جسده ولباسه".


مدينة تولوز

وصل أفوقاي إلى تولوز عند المغرب فخرج من القارب إلى دار بجوار الوادي، ونزل في الطابق العلوي، وبعث للقسيس شيئاً من الخُبز معجوناً بسكر وبيض، فناداه القسيس، وقال له: أنا هذه الأيام صائم، وهذا الذي بعثت لي فيه بيض، ولا نأكُلها في أيام صيامنا، وذكر له أنه لا يلبس كتانًا، ولا يأخذ دراهم في يده، ولا يأكل كثيراً، ولا ينامُ كثيراً. وبعد ذلك دار نقاش بين الرجلين حول تحريم الخمر في الإسلام وأسبابه، ثم يلفت الأنظار إلى أن الأوروبيين يسمون المسلمين أتراكاً، إذ اعترضه أحدهم وقال كيف دخلت إلى هذه البلاد أيها التركي، فأبرز له كتاب ملك فرنسا فصمت.

ويقول إنه حين أنهى أعماله ببوردو عاد إلى باريس والتقى هنا أكبر علماء الفلك فيها والذي قال له: "هذا العلم لم نر له نتيجة أبداً في الأحكام، وقد جربت كثيراً من الاختبارات، ولم يصدق فيها واحد، مع الانتصاب وأخد الارتفاع للبرج في الطالع، فلم نصنع في ذلك شيئاً مما قال المؤلفون، وعندي أكثر من مائة تأليف في الفن المذكور ونفهم ما فيها".


امرأتان تركيتان في باريس

يخبرنا أفوقاي أنه رأى في باريس امرأتين تركيتين من إسطنبول إحداهن عجوز، والأُخرى في نحو الأربعين من عمرها، ويبدو أنها كانت تجيد الرسم على القماش، وتعمل عند ملكة فرنسا التي كانت تعطيها كل يوم ريالاً أجرة لعملها. وقد أخبرته أنها خطفت مع المرأة الأخرى من قبل البنادقة عندما كانت قاصدة الحج إلى مكة المكرمة بالبحر، وأن خاطفهما كتب إلى ملك فرنسا بأن لديهم تركيتين تجيدان رقم الثياب. ويقول إنها اعتنقت المسيحية بناء على طلب الملكة، ولكنها طلبت منه أن يدبر لها طريقة لكي تعود إلى ديار المسلمين، فدبر لها خطة مع أمير هولندا موريس نجحت فيها بالهرب من باريس، والعودة إلى إسطنبول.

ومن باريس توجه شهاب الدين إلى مدينة روان، ثم منها إلى مرسى البركة، وركب البحر إلى بلاد فلنضس التي وصلها في أربعة أيام، وقال إن اسمهم عند المسلمين فلمنك، حيث كان توجههم جهة القطب الشمالي، كما يقول وفرنجة عن يمينهم وبلاد الأنجلز عن يسارهم، وقد رأى البرين في بعض المواضع.


في بلاد هولندا

يشرح أفوقاي سبب توجهه إلى هولندا بأنه كان يخشى من البحارة الفرنسيين الذين كانوا يعتدون على المسلمين، وأن الهولنديين كانوا يحسنون إلى المسلمين. وحول مدينة أمستردام التي يسميها مسترضام يقول: "رأيتُ العجب في زينتها ونقائها وكثرة مخلوقاتها، تكاد أن تكون في العمارة مثل مدينة بريش بفرنجة. ولم تكن مدينة في الدنيا مزينة بكثرة السفن مثلها. قيل إن فيها في جميع سفنها، كباراً وصغاراً، ستة آلاف سفينة. وأما الديار، كل واحدة مرسومة، ومزوقة من أعلاها إلى أسفلها بالألوان العجيبة، ولم تُشبه واحدة أُخرى في صنع رقمها، والأزقة بالحجر المُنبتة".

وأشار إلى أنه التقى أناساً من بلاد المشرق، وبلاد الصقالبة، ورومة، وغيرها من بلاد الدنيا، وقالوا له ليس هناك بلد في الدنيا كلها مثل أمستردام في زينتها. وأكد أن الهولنديين أقوى من جميع النصارى في البحر بالسفن. وحول هذا البلد يقول: "اعلم أن هذه فلنضس (هولندا) هي سبع عشرة جزيرة، وكانت جميعها لسلطان إشبانية (إسبانيا)، أعني بلاد الأندلس. وبعد أن ظهر في النصارى في تلك البلاد الجوفية رجل عالم يُسمى لطر (مارتن لوثر)، ثم عالم آخر نصراني أيضاً يُسمى قلبن (يوحنا كالفن)، وكتب كل واحد منهما ما ظهر له في دين النصارى من التحريف، والخروج عن دين المسيح، والإنجيل، وأن البب (البابا) برومة يُضلون الناس بعبادة الأصنام، وبما يزيدون وينقصون، وبمنع القسيسين والرهبان من التزويج، وغير ذلك كثير، دخل في هذا المذهب أهل فلنضس (هولندا)، أعني الجزر السبعة ، وأيضاً سلطنة الأنجلز، وكثير منهم بفرنجة، وذكر لهم العلماء الذين حذروا الناس من البب أن لا يكرهوا الُمسلمين، لأنهم سوط الله على النصارى الكفار عندهم، أصحاب البب، عباد الأصنام، وبسبب ذلك لهم ميل إلى المسلمين".

وفي مدينة لايدن وجد شهاب الدين أفوقاي مدارس لقراءة العلوم، وصادف رجلاً كان يعرفه من باريس دعاه إلى بيته وأكرمه، وكان يتكلم معه بالعربية. والتقى أيضاً برجل حكيم مشهور في الطب والعلوم هناك، وأخبره بوجود نسخة مترجمة من القرآن الكريم باللاتينية ودارت بينهم مباحث دينية في المسيحية والإسلام.


مع موريس حاكم هولندا

بعد ذلك سافر أفوقاي إلى لاهاي التي يسميها اَلهاية، وقال إن فيها دار الأمير والديوان، والتقى هناك برسول الأمير، وكان يعرفه من مراكش. ويوضح سبب قدومه إلى مراكش أن أهل هولندا سيطروا على ثلاث سفن حربية إسبانية أرسلها ملك إسبانيا لقمع تمرد الهولنديين، وكان عليها ثلاثمائة من المسلمين، ومشى هذا الرسول الهولندي بهم إلى مراكش وقدمهم هدية لسلطان المغرب، وبقي في مراكش لمدة عامين، وحصلت مشكلة سجن بسببها، فساعده شهاب الدين على الخروج من السجن.

ويقول إن هذا الرسول اصطحبه إلى أمير الهولنديين واسمه مورسي (موريس)، وجلس معه أربع جلسات، قال له في إحداها: ماذا تعرف من الألسن؟ فأخبره بأنه يعرف العربية والإسبانية والبرتغالية، وأنه يفهم الفرنسية ولا يتكلمها. وتفاهما فكان الأمير الهولندي يحدثه بالفرنسية، وشهاب الدين أفوقاي يرد عليه بالإسبانية. ومن الأفكار التي طرحها الأمير الهولندي أنه يريد أن يتفق مع كبراء الأندلسيين المسلمين بأن تزودهم هولندا بسفن يهاجمون فيها مع الجنود الهولنديين إسبانيا.

ورد عليه أفوقاي بأن الأندلسيين لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك إلا بإذن سلاطين البلدان التي يعيشون فيها. فقال له لو يستطيع أن يتفق مع سلطان مراكش على ملك إسبانيا، لظفروا به وأخذوا بلاده، واتفق مع شهاب الدين أفوقاي على التواصل والمكاتبة حول هذا الموضوع. وبناء على طلبه أعطاه الأمير رسالة توصية لربان السفينة لكي يعيده إلى مراكش سالماً، وهو ما كان فعلاً.

ويصف لاهاي بقوله: "أما مدينة اَلهاية التي كان فيها الأمير، فعرضها اثنان وخمسون درجة، وذلك في الإقليم السادس. وأصابنا الحال ونحن فيها في أطول أيام العام، وليس طلوع الشمس وغروبها كهذه البلاد، أعني مصر والمغرب والشام وبلاد الأندلس، فاليوم الأطول هناك من تسع عشرة ساعة، ولا ظلمة في الليل إلا قليلة، وغروبها منحرف وتبقى الحمرة في السماء إلى قريب من نصف الليل، وكنا نصلي العشاء الآخرة، ثم بعد ساعة ونصف نصلي الصبح".

المساهمون