أصدقاء لغتنا: مع إيروس بلديسيرا

31 ديسمبر 2020
الصورة
إيروس بالداسيرا
+ الخط -

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. "من موقعي كواضع قواميس، أعتقد أن تغطية ثراء اللغة العربية أمر مستحيل"، يقول الكاتب والمترجم الإيطالي في حديثه إلى "العربي الجديد".


■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
- "رفرفت حوله عوالم الشرق لأول مرة عندما اكتشف وهو لا يزال فتى، مجلّدًا صغيرًا لألف ليلة وليلة في مكتبة منزلهم الصغيرة. النسخة الإيطالية المختصرة للطبعة الفرنسية الصادرة في فرنسا في القرن الثامن عشر لأنطوان غالان. سحرته تلك اللوحات بالأبيض والأسود التي كانت تزيّن ما يزيد عن 500 صفحة من العمل الذي كان يصوّر رجالاً يرتدون عمائم كبيرة وعباءات مطرّزة، عبيدا سودا بمناشف ضخمة - على الأغلب من الخصيان، أو ربما لا! وكيف له أن ينسى مسعود الذي أطلق العنان لغضب شهريار؟ - والراقصات المتمايلات بالبناطيل الفضفاضة... مدفوعا بكل هذا الفضول، انخرط في القراءة، ليكتشف دهاء شهرزاد، والخليفة هارون الرشيد في قصة خيالية من بغداد وعلاء الدين ومصباحه العجيب. أًحبَّ تلك القصص لكن من دون أن تترك في نفسه أي بصمة. كانت الصدفة، بعد سنوات، هي فقط ما جعلته يرتحل شرقًا، بجدية على نحو ما، ودفعته للكتابة عن هذا الشرق والحديث عنه".

هكذا أصف لقائي الأول بالعالم العربي في كتاب "التجوال استشراقاً" وهو أول كتاب رحلات لي. وأضيف أيضًا هنا أنه وقبل أن أُصبح "مستعربًا" كما يقال، كنت من ضِمن أمور أخرى، مصوّرًا وعازف غيتار شبه محترف. إلى أن وقعت عيناي بالصدفة على كتاب قواعد باللغة العربية للمستشرقة الإيطالية Laura Veccia Vaglieri. شعرتُ بالفضول حيال تلك الأبجدية الغريبة الشبيهة بـ"مسارات النمل" على حد وصف أحد الأصدقاء، وبدأتُ في قراءة الصفحات الأولى لذلك الكتاب. 

الاهتمام بالكتاب العربي بقي مقصوراً على دوائر محدّدة

وسرعان ما اشتد فضولي وتحوّلت القراءة إلى دراسة حقيقية، فقرّرت بعدها التسجيل في قسم اللغات الشرقية المستحدث آنذاك في "جامعة كا فوسكاري" في البندقية. وبعد فترة وجيزة وجدت نفسي في قسم يتألف من حوالي عشرين كرسيًا كان يشغلها عشرة طلاّب فقط، أعطت فيه الأستاذة Maria Nallino أساسيات اللغة العربية لمن حضر أول درس للغة العربية في "جامعة البندقية". كانت ماريا نالينو Maria Nallino ابنة المستعرِب الشهير كارلو ألفونسو Carlo Alfonso، الذي درّس في الجامعة المصرية عند نشأتها، وذلك عام 1911 بدعوة شخصية من الأمير فؤاد، حاكم مصر المستقبلي، وقد كان أحمد أمين وطه حسين من بين طلبته.

مرّ العام سريعًا على المستعربين العشرة الشباب الذين كانوا عازمين على الإلمام بالقواعد الدقيقة للنحو العربي في كتابهم الذي لا يوجد ما يضاهيه باللغة الإيطالية، وانكبوا على دراسة القواعد وحلّ التمارين ذات الصلة. في صيف ذلك العام، بعد انتهاء العام الدراسي، لم تكن هناك رحلات دراسية أو سياحية مبرمجة كما كان ليحدث في العام الموالي. كنت لا أزال أرى البلدان العربية "بعيدة" وهو النهج الذي أرعبني. في صيف العام التالي قام مدرّس نُطقٍ تونسي جرى توظيفه حديثًا في قسم اللغة العربية، بدفع الأمور نحو اتجاه مختلف، حيث نظّم رحلة لحوالي عشر طلبة من البندقية إلى تونس من أجل التسجيل في دورة صيفية لتعلم اللغة في المدرسة العربية المحلية للأجانب، "مدرسة بورقيبة" المعروفة. كانت التجربة مفيدة للغاية. 

وقد كانت الحقيقة الأكثر إثارةً هي اكتشاف أن اللغة العربية لم تكن هي اللغة الفصحى كما هي في كتاب  Veccia Vaglieri فحسب، بل كانت أيضًا اللهجات المحلية التي لا يمكن تجاهلها، كما يمكن أن يحدث مع الإيطالية. لذلك كانت هذه الرحلة التونسية مفيدة للغاية وفتحت آفاقًا جديدة لمستعربي البندقية الشباب.

في العام الدراسي التالي، وجد المستعربون الشباب أنفسهم أمام الآيات القرآنية الصعبة، مقامات الحريري المستعصية، ولكن أيضا "الأيام" لطه حسين في السهل الممتنع، وهو الكتاب الذي عرّفني بمصر، الوجهة الثانية في ترحالي في العالم العربي للسياحة فقط هذه المرة: الإسكندرية، القاهرة الفرعونية، الأهرامات والمتاحف العربية والإسلامية، المساجد وخان الخليلي. وبعدها رأساً إلى الأقصر. لم يكن يُسمح للأجانب بالنزول في المدن التي تتوسط الطريق بين القاهرة والأقصر، بحكم التدابير التي بقيت جارية من حرب الأيام الستة التي اندلعت قبلها بعامين. ومن مصر مباشرة إلى لبنان: بيروت، طرابلس، جبيل، بعلبك، صيدا، صور. ومن لبنان إلى سورية: دمشق، معلولا، حمص، حماة، حلب، تدمر. كانت تلك رحلة معرفية بحتة عرفتني على هذه البلدان سياحيًا وجغرافيًا. 

حتى بعد طول باع في الترجمة، لا تزال العربية تفاجئني

ابتداءً من الصيف الموالي بدأتُ في سورية بارتياد المكتبات، ولم أعد أشعر بعدم اليقين الذي كان يراودني إلى غاية تلك اللحظة في مواجهة العناوين المكتوبة باللغة العربية. وهناك عثرت على الموضوع الذي أصبح موضوع أطروحة تخرّجي: مذكّرات حسن الحاكم، وهو سياسي سوري من النصف الأول من القرن العشرين. في الصيف نفسه من عام 1970 قمت أيضًا برحلة إلى الأردن المضطرب قبل شهر من "أيلول الأسود" زرت فيها البتراء، وكان لي لقاء مثير مع أحد "البدو" الذي دعاني لتناول الشاي في منزله المنحوت داخل أحد قبور البتراء التي كانت مهجورة من السياح. مغامراتي العراقية اللاحقة لم يكن لها أغراض أدبية، لكنها كانت ثرية بالخبرات المتنوعة بين بغداد، البصرة، أور، الناصرية، الكوفة، النجف، كربلاء، بابل، سامراء، والموصل. في الفاو، الميناء النفطي المطلّ على شط العرب، أمضيت عدة ساعات في مركز للشرطة، قيد التحقيق بتهمة التجسس المزعوم، قبل أن يتم ترحيلي.

كانت هذه رحلاتي الاستهلالية في العالم العربي التي فتحت أمامي الطريق تدريجياً  لتعزيز تجاربي العربية والإسلامية على مر السنين في بلدان عربية أخرى. ولكن بقيت سورية هي بلدي المختار الذي كنت أزوره مرارًا وتكرارًا، إذ أخذ أدبها المعاصر في إثارة اهتمامي وقد كتبت عنه في إصدارات مختلفة.

الصورة
كتاب التجوال

في هذه الأثناء عثرتُ أيضًا على اهتمامات بحثية في سلطنة عُمان، لاسيما في مجال علم النقائش العربي. ونَشرَت لي حوله وزارة الثقافة العمانية خمسة أعمال باللغة العربية تتعلق بالنقوش المحفورة على المباني القديمة، سواء في المساجد أو القصور. وهنا يبدو من المناسب التأكيد على أمر جليّ ف يما يتعلق بموضوع الترجمة، ألا وهو أهمية القواميس بوصفها جسور أساسية بين أي لغتين. وفي هذا الصدد، أعتقد أنني قدمت مساهمتي من خلال نشر ستة قواميس (عربي ـ إيطالي ـ عربي) لدار نشر "زانيكيلي" الإيطالية الشهيرة.


■ ما هو أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقيه؟
- بالتعاون مع مجلة "Oriente Moderno" التابعة لـ Istituto per l’Oriente بروما، قمت منذ السبعينيات بترجمة العديد من المواد سواء في الأدب، التاريخ، أو السياسة. في نفس الوقت أتيحت لي الفرصة لترجمة ونشر نصوص أدبية ضمن سياقات مختلفة تم استخدامها أيضًا في مقررات دروس اللغة والأدب العربي التي بدأتُ في إعطائها في جامعة كا فوسكاري في البندقية. أما كتابي الأول فقد نُشر ضمن سلسلة كان يديرها البروفيسور أمبرتو ريزيتانو Umberto Rizzitano، وكان عنوانه "زكريا تامر - قصص"، وتضمّن مجموعة قصص للكاتب السوري المعروف الذي كنتُ أتردّد عليه كثيرًا في دمشق. لاقى الكتاب استحساناً في أوساط المستعربين من حيث إنه شكّل اختراقًا حقيقيًا في تلك الحقبة بالنظر إلى القضايا الاجتماعية والسياسية الشجاعة التي تطرّق لها الكاتب. إلا أن الاهتمام بالكتاب بقي مقصورًا نسبيًا على هذه الدوائر المحددة. ولكن بعد منح جائزة نوبل للروائي المصري نجيب محفوظ عام 1988 اكتشف القارئ الغربي أن هناك أدبًا عربيًا يستحق الاهتمام إلى جانب "ألف ليلة وليلة".


■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
- نصوصي الأخيرة المترجمة تعود إلى عام 2016 وتتعلق بمختارات للشاعر السوري نزيه أبو عفش التي فرضتها الظروف المأساوية للبلاد، وقد نُشرت في مجلة "Quaderni di Studi Arabi". ولفترة قمت بإبطاء نشاطي كمترجم منساقًا نحو اهتمامات أخرى، لكنني استأنفت مؤخرًا ترجماتي لشعراء سوريين أحياء مثل شوقي بغدادي وأيضًا نزيه أبو عفش.


■ ما هي العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟
- العقبات الرئيسية التي يواجهها المترجم من اللغة العربية هي اللغة العربية نفسها التي تطرح دومًا صعوبات جديدة، حتى بعد طول باع في الترجمة. لكنّ توفر الوسائل المناسبة أمر مهم لتذليل هذه الصعوبات، لا سيما القواميس - التي أصبح الآن وجودها على الإنترنت مفيدًا - إلا أنني مع ذلك أقول وبصفتي واضعًا للقواميس أنه يستحيل تغطية ثراء المعاجم العربية بأي من الأدوات الموجودة حاليًا.

الصورة
إيطالي عربي

 

■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
- صحيح أن النصوص الأكثر طلبًا للترجمة من العربية إلى الإيطالية هي النصوص الأدبية. وقد يكون هذا هو الحال بالنسبة لجميع اللغات. فالأدب - لا سيما  شقه السرديّ - يثير اهتمام شريحة واسعة من القراء، في حين أن القطاعات المحددة الأخرى ذات المواضيع الفردية قد لا تلمس عددا كبيرًا من المتلقّين.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
- كما ذكرتُ آنفًا، إن انتشار الثقافة العربية في العالم يُعبّر عنه الأدب بشكل أساسي بوصفه الوسيلة الأكثر فاعلية للوصول إلى أكبر عدد من القراء، ودفعهم للتعرّف على حضارة عريقة امتدت لأكثر من ألف وأربعمائة سنة من تاريخ البشرية، وهو أمر مهم لتعزيز التعارف المتبادل بين الشعوب، وعامل أساسي لمستقبل يسوده السلام.

 

بطاقة

Eros Baldissera أكاديمي ومستعرب إيطالي من مواليد البندقية 1944. بدأ بتدريس الأدب العربي في "جامعة البندقية" منذ 1972، ويعدّ منذ حينها من أهم المستعربين الإيطاليين المعاصرين، ومن المختصين في الأدب السوري في إيطاليا. كذلك يعتبر من أهم واضعي القواميس العربية ـ الإيطالية. إلى جانب العشرات من الكتب والبحوث والترجمات حول العالم العربي المنشورة في أهم الدوريات ودور النشر المتخصصة، يعدّ إيروس بلديسيرا من أبرز كتّاب الرحلات الإيطاليين في العالم العربي، وقد كان "التجوال استشراقاً" أوّل كتاب رحلات يضعه، وقد صدر في روما عام 2007، ونُشرت نسخته العربية في دمشق عام 2010. في عمله الأخير "عُمان لي" الصادر هذه السنة عن Centro Internazionale della Grafica di Venezia يعود إلى رحلاته في عُمان بين عامي 1986 و2001.

الصورة
كتاب إيطالي
أصدقاء لغتنا
التحديثات الحية

المساهمون