أسرار وسِير الكتّاب تنعش الرواية العائلية في فرنسا

26 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 08:30 (توقيت القدس)
الكاتبة جوستين ليفي في 13 إبريل/ نيسان 1995، في فرنسا (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد موسم الدخول الأدبي الفرنسي ظاهرة بارزة بتركيز الروايات على العلاقات الأسرية، خاصة بين الأم والابنة، مما يعيد صياغة الهوية الفردية.
- رواية "حزن غريب" لجوستين ليفي تسرد سيرة والدتها، مركزة على محاولة الابنة لتجنب فقدانها في الذاكرة، رغم أن السرد يصبح أحيانًا منعزلًا عن العالم الخارجي.
- "لن يحدث أبداً" لجاكوتا أليكافازوفيتش تتناول رحلة الابنة لاكتشاف سر والدتها الشاعرة، مستكشفة الانتماء والهوية في زمن المنفى، حيث تعيد الابنة ابتكار صورة الأم.

شهد موسم الدخول الأدبي الفرنسي هذا العام ظاهرة لافتة تمثلّت في العدد الكبير من الروايات الجديدة التي اتّخذت من العلاقات الأسرية، لا سيّما بين الأمّ والابنة، ثيمة محورية، في ما يشبه طقساً جماعياً يجدّد تقاليد "الرواية العائلية" فتنتقل بها من السرد القائم على تتبّع حياة أسرة والصراعات بين الأجيال إلى معالجة جديدة تسائل الذات الفردية وتعيد صياغة العلاقة مع الوالدين لا كونها وقائع عائلية، بل بوصفها بنية رمزية تشكّل هوية الفرد وتؤسّس لخطابه الأدبي.

وقد حظي بعض هذه الأعمال باهتمام القرّاء والنقاد، ومن بينها روايتا الكاتبتين جوستين ليفي: "حزن غريب" (منشورات ستوك، 2025)، وجاكوتا أليكافازوفيتش: "لن يحدث أبداً" (غاليمار، "2025) إلى جانب روايات أخرى لإيمانويل كارّير وكاترين مييّه وأميلي نوتومب.

تلتقي هاتان الروايتان في الثيمة، وفي حقيقة أن الموت يشكّل نقطة انطلاق السرد والباعث على فعل الكتابة من أجل الأم أو ضدّها؛ للهروب منها أو لاستعادتها بالكلمات من هوّة النسيان، فتستحث الكتابة الذاكرة والمخيّلة، لكنّهما تفترقان في جوانب أخرى عديدة.

تستعيد "حزن غريب" سيرة زوجة برنار هنري ليفي قبل انتحارها

في رواية "حزن غريب" التي تُفتتح بمشهد جنازة الأم، تواصل ليفي تتبع آثار إيزابيل دوترولين، عارضة الأزياء في سبعينيات القرن العشرين، المرأة المتمرّدة على كلّ سلطة، غريبة الأطوار وذات النزعة الانتحارية، زوجة الكاتب برنار هنري ليفي، والأم التي اختارت الانسحاب من الحياة والارتماء في أحضان الكحول و"الفراديس المصطنعة".

غلاف رواية "حزن غريب" (تصميم العربي الجديد)
غلاف رواية "حزن غريب" (تصميم العربي الجديد)

وإذ "تصطدم طيلة الوقت وفي كل مكان بفقد أمّها، وبخوفها من أن تخونها، ومن أن تشبهها" فإنّها تواصل مطاردة طيفها الغائب، فتنقب في يومياتها وتورد مقتطفات منها، وتروي سيرة مرضها بالسرطان، وتزور الأماكن التي كانت تتردّد إليها مثل ذلك المقهى في حي مونمارتر الباريسي، وتسافر إلى الهند مقتفية خطاها، في سعي محموم لتجنّب موتها ثانية، في الذاكرة: "ماتت أمي منذ عشرين سنة، ولم يعد أحد يتذكّرها".

ويتجلّى هذا السعي في سرد اعترافي لاهثٍ، متقطّع ومتشنّج الإيقاع، ولغة حارّة ومباشرة: "لقد ركضتُ خلف أمّي عمري كلّه، حياتها كلّها، بحثتُ عنها في كلّ مكان، في كلّ وقت، صنعت منها كتباً، دائماً الكتب نفسها، والآن، ها هي تختبئ فيّ وتنبثق منّي".

غلاف رواية  "لن يحدث أبداً" (تصميم العربي الجديد)
غلاف رواية "لن يحدث أبداً" (تصميم العربي الجديد)

غير أنّ كتابة ليفي التي تشي بصدق عارٍ من كل تكلّف وتتقدّم بلا زخارف أو أقنعة، إلى حدّ تسوية حسابها علناً مع زوجها السابق، الكاتب رافائيل انتهوفن، لا تحول دون تسلّل الشعور إلى القارئ بأن كتابتها تتحوّل عند نقطة معيّنة إلى مرآة مغلقة تتمركز فيها الذات على نفسها وتنغلق على جرحها، وتفقد كلّ صلة بالعالم، فلا شيء يحدث خارجها، لا في مجتمعها القريب الذي يعج بالأزمات، ولا في البعيد الذي تطحنه الحروب والكوارث.

تغدو الكتابة فعل ترميم للذات، يستحث الذاكرة والمخيّلة

هكذا يجد القارئ نفسه في موقع ملتبس وإشكالي يتلّصص منه، ربّما، على أسرارٍ عائلية ويطلّع على اعترافاتٍ حزينة ومؤثرة لم تفلح الروائية في الارتقاء بها إلى نصّ جماليّ يُجاوز الذاتي الخاص إلى الكوني المشترك.

أمّا الروائية البوسنية الأصل جاكوتا أليكافازوفيتش، فتكتب، بلغة شعرية كثيفة الظلال، تفيض بالاستعارات والرموز، سرداً متعدّد الطبقات يخرج عن حدود الحزن الشخصي لموت الأم ليلامس تاريخ الجماعة وذاكرة البلقان المثقلة بمآسي القرن العشرين وحروبه، ويتشابك فيها الذاتي الحميم بالجمعي المشترك، فتروي مثلاً، في طريق استعادة الأمّ من الغياب، قصصاً عن شعراء كانوا يتخفّون ليكتبوا القصائد في بلغراد، وعن جزيرة كرواتية تحوّلت إلى معتقل للمعارضين السياسيّين، ومشهد إعدام دمويّ خلال الحرب العالمية الثانية كان جدّها الناجي الوحيد منه. 

نطلق السّرد من مشهد العثور على الأم ميتة في كرسيّها وبيدها كتاب للأطفال، كان كتاب ابنتها الأثير في صغرها، فتبدأ رحلة الابنة الساردة لاكتناه سرّ الأم، الشاعرة اليوغوسلافية التي هجرت الكتابة بعد انتقالها إلى فرنسا في سبعينيات القرن الماضي واختارت حياة الصمت والعزلة.

من هنا، يتّخذ السرد صورة تقصّ لأثر امرأةٍ لم يبقَ من حضورها سوى شذرات قليلة، فتشرع الساردة في جمع الإشارات واستنفار الذكريات والتفاصيل الصغيرة، وشهادات الأهل والأصدقاء لتعيد بناء حكاية الأم وتسدّ ما فيها من فجوات غامضة وأهمّها: لماذا هجرت الكتابة؟ لماذا اختارت المنفى؟ هل فرت خوفاً من الاضطهاد، أم كانت عميلة للنظام؟ وما سرّ تلك العبارة التي كانت لا تكفّ عن تردادها: "في هذه العائلة، ثمّة موهبة؟".

لكنّ بحث أليكافازوفيتش الذي ينهض في الجوهر على التذكّر والتخيّل والتأمّل لا ينتهي إلى إجابات واضحة أو قاطعة، بل يحيل إلى دور الحكايات العائلية في صوغ الذاكرة والهوية، فنحن ننشأ ونترعرع ونتشكّل في فضاء الحكايات مثلما نكبر في فضاءات البيوت والأوطان، وهذه الحكايات، "قد تكون الأكثر جاذبية وإيلاماً في الوقت نفسه حتّى لو كانت الأبعد عن الحقيقة".

وهكذا لا تحسم الساردة فرضيّة أنّ الأمّ قد كانت عميلة للمخابرات اليوغسلافية، وتؤّكد أن هجرها الشعر، ربمّا كان "تخليّاً عن الرغبة في تغيير العالم، أو الطريقة الأسلم للحفاظ على الشعر بوصفه مثالاً، وذلك بالتخلّي عن السعي للوصول إليه".

ولعلّ الأم لم تفعل سوى تحويل طاقة الإبداع عندها إلى صنيعٍ آخر يتجاوز اللغة، بأن صاغت ذات ابنتها وشكّلت هوّيتها، بالأدب، وأورثتها كلّ شيء: من طريقة المشي إلى لبس الثياب، ومن الإمساك بالشوكة والسكين إلى أسلوب الحديث والشغف بالقراءة والأدب، ولذا تؤكّد الساردة: "قد تكون حياتي هي كتابها الأخير".

غير أن الرواية تتجاوز السيرة الفردية لتطرح سؤال الانتماء في زمن المنفى، فالأمّ والابنة تعيشان بين لغتين، ووطنين اختفى أحدهما قبل أكثر من ثلاثين سنة، حيث الحنين لا يقود إلى الأرض بل إلى اللغة، فتغدو الكتابة سبيلاً وحيداً إلى العودة الرمزية إلى الجذور؛ يسمح بإعادة تشكيل الهوية على أنقاض الذاكرة، فبإعادة ابتكار الأمّ، تعثر الابنة في النهاية على ذاتها: ابنة منفى لا عودة منه سوى بالكتابة.في رواية الأمّ عند ليفي وأليكافازوفيتش، تتّخذ الكتابة بعداً وجودياً وتغدو فعلاً ضرورياً من أجل ترميم الذات ورأب صدوعها، فعلاً يستثير الذكريات والأسئلة، ولا يكتفي بسرد العلاقة الأمومية، بل يعيد تشكيلها على ضوء وعي جديد بالذات، سواء انغلقت على نفسها أم انفتحت على العالم الخارجي.


* كاتب ومترجم من الأردن

المساهمون