أرتور رامبو أو الكتابة الآتية من المستقبل

15 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:06 (توقيت القدس)
صندوق بريد مخصّص للشاعر آرثر رامبو في مقبرة شارلفيل-ميزير بشمال فرنسا، 2019. (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أرتور رامبو، الشاعر الفرنسي، تميز بدمج الشعر والنثر في لغة مبتكرة، وألهم أجيالاً من الكتّاب والفنانين في مختلف المجالات، رغم عدم حضوره المباشر في الشعر العربي.
- كان رامبو متمرداً على القيم البورجوازية والسلطة، معبراً عن الرفض والنقد للبُنى الاجتماعية، وسعى لاكتشاف لغة جديدة تعبر عن الإنسانية، مما جعله رمزاً للحداثة الشعرية.
- حياة رامبو كانت غامضة، حيث اعتزل الأدب مبكراً واتجه للتجارة في أفريقيا، وترجماته العربية ساهمت في تقديم أعماله المعقدة للقراء العرب.

منذ مئةٍ وخمسين عاماً، ترك الشاعر الفرنسي أرتور رامبو عالمَ الشعر والتفتَ إلى آفاق أخرى في حياة مختلفة تماماً. أمّا نصوصه الشعرية التي ختمَ بها نتاجه، وعنوانها "إشراقات"، فقد أَودَعها بول فيرلين، رفيقَ دربه آنئذ. تلك النصوص، إضافةً إلى نصوصه القليلة الأخرى التي أنجزها في غضون سنوات معدودة، أحدثت أثراً كبيراً في الشعر الحديث، وألهمت أجيالاً جديدة، متجاوزةً حدود الأدب. وتنهلُ منها، حتى اليوم، دراساتٌ جامعية، وكتب، وقصائد، وروايات، وأفلام سينمائيّة، وقصص مصوَّرة. وكان حضور رامبو في الموسيقى واسعاً جدّاً، فقد ألْهَمَ عدداً كبيراً من المغنّين والفرق الموسيقية في فرنسا وخارجها، ويُعَدّ المغنّي والملحّن والشاعر الفرنسي ليو فيرّي أبرز من غنّى قصائده ولحَّنها. 

وصدر مؤخّراً عن صحيفة "لوموند" في باريس منشورُها الشهري المخصّص لرامبو (يتناول هذا المنشور في العادة حياة كتّاب وفنّانين ومفكّرين وعلماء من فرنسا ومن العالم وأعمالهم). وما زالت تصل إلى علبة البريد التي تحمل اسمه في مسقط رأسه، مدينة شارلفيل، رسائل من مختلف أنحاء العالم.

كتابة رامبو منحازة إلى ارتياد المجهول والغامض والمُطلَق. لقد ابتكر لغةً تلاشت فيها الحدود بين الشعر والنثر، فتخطّت الأجناس الأدبية كلّها. القصيدة الرامبوية تهجس بالحرّيّة. فهي لا تغوي ولا تستجدي. لا تمدح ولا تهجي ولا تستدرّ العواطف ولا تسعى إلى الغناء. لا تغرق في ذاتيّة متورِّمة، مُغلَقة على نفسها. إنّها النفاذ إلى ظلمة الداخل. وهذا ما لم ينتبه إليه الروّاد، لا في مجلّة "شعر" ولا في سواها. لذلك لم نجد أيّ أثر لرامبو في شعرهم، ولا في الشعر العربي قاطبةً. 

لم يكن رامبو متمرّداً على الوجود فحسب، بل على السلطة أيضاً، وكان متعاطفاً مع "كومونة باريس"، ورافضاً القيم البورجوازية. أمّا شعره فهو مشروع روحيّ يغوص في أعماق النفس البشرية، وهو أيضاً شعر الرفض بامتياز. يتجلّى هذا الرفض في نقد البُنى العميقة للمجتمع ولكلّ المؤسّسات السياسية والدينية

نصوصه أحدثت أثراً كبيراً وألهمت أجيالاً، متجاوزةً حدود الأدب

والأخلاقية السائدة. ضمن هذا الإطار، لا يحضر رامبو في الشعر العربي بصورة مباشرة، بل بوصفه أفقاً مفتوحاً، ومشروعاً للتغيير، وتجسيداً لكتابة أخرى هي النقيض للسائد والمألوف. وصار بالإمكان معه، كما مع بودلير ولوتريامون ومالارميه، الكلام عن شعر حديث انطلاقاً من رؤية حديثة، ومن نَسق معرفي شامل. هنا، تقتضي الإشارة إلى أنّ الحداثة الشعرية الغربية جاءت ضمن تغيُّرات كبيرة بدأت في القرن السادس عشر، وترسّخت في عصر الأنوار، وصولاً إلى القرن التاسع عشر حيث طاولت جميع الأصعدة الفكرية والعلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية. التواصل الذي قام بين الفكر والفلسفة والعلم من جهة، والنقد الأدبي من جهة ثانية، كان له دور مهمّ في بَلْوَرة مفاهيم الحداثة.

رامبو، "سارقُ النار"، جاء يبحث عن لغة جديدة لقَولِ شيءٍ جديد يطاول الإنسانيّة جمعاء، وكذلك كائناتها الحيّة الأخرى كلّها. لذلك رسم بالألوان حروفَ أبجديّته: "A أسود، E أبيض، I أحمر، U  أخضر، O  أزرق: حروفٌ متحرّكة،/ سأقول يوماً ميلاداتكم الكامنة". إنّه شعرٌ يخفي الفكر في طيّاته، ورؤية بعيدة عن "الرؤيا" الدينيّة، كما لاح لبعض روّادنا. فهي أبعد ما تكون عنها، لأنّها تتوق إلى اختراقِ المجهول بمفردات لا تحاكي العلم والتقدّم بقدر ما تحاول أن تسبر غورهما. في رسالته إلى أستاذه بول دوميني: "المستقبل سيكون ماديّاً، كما ترون". هذه العبارة تواكب صعود العصر الصناعي في القرن التاسع عشر. والشاعر هنا لا يرصد تحوُّل العالم كاقتصادي وسياسي، أو كمؤرّخ، بل كمن يرى ويستشرف: امِّحاء الروح تحت وطأة المادّية المتنامية.

كتب رامبو في كتابه "فصل في الجحيم": "كنتُ أرسل إلى الشيطان سعف الشهداء، أشعّة الفنّ، كبرياء المخترعين، حماسة اللصوص. كنتُ أعود إلى الشرق وإلى الحكمة الأولى الأبديّة". كلمة "الشرق" هنا ليست جغرافيّة فقط، بل رمزية وروحية، وكذلك "الحكمة الأولى". الشرق موضع شروق الشمس، أي جهة النور الأوّل. رمز البدايات الأولى للوعي، للإنسان، للأسطورة، وللروح. والشرق المتخيَّل، بحسب بعض المتخصّصين في نتاج رامبو، هو المكان المضادّ للغرب البورجوازي، وهو "المعرفة الأولى" التي سمّاها لاحقاً بعض مفكّري الحداثة بـِ "المعرفة الأصليّة".

في رسالته إلى جورج إيزامبار في الثالث عشر من شهر أيّار/ مايو 1871، ورد الآتي: "من الخطأ أن يُقال: أنا أفكّر، بل ينبغي أن يُقال: يُفكَّر بي. عذراً عن التلاعب بالألفاظ. - أنا هو آخر"... هذه اللغة يستحيل التقاطها لدى الغارقين في ذاتيّة مفرطة يتمحور حولها نتاجهم الشعريّ بأكمله. أمّا تلك اللغة البعيدة المدى فهي تسعى إلى الاتحاد بالآخر ومعانقة الكون.

ثمّة أسماء معروفة جدّاً في أدبيّاتنا، ونلهج بذكرها باستمرار، لكنّ نتاجها غير مقروء كما ينبغي، ورامبو أحد هؤلاء، ولا توجد دراسات تتناوله بشكل موضوعي ورصين، ولا ترجمات كافية له، باستثناء بعضها، لا سيّما ترجمة كاظم جهاد التي دخلت في تحدٍّ كبير مع واحد من أكثر النصوص تركيباً وتعقيداً في اللغة الفرنسيّة، وجاءت ترجمته كاملة لأوّل مرّة في اللغة العربيّة، ومشفوعة بهوامش وإضاءات ثريّة. 

ما زالت تصل إلى علبة بريده في مسقط رأسه رسائل من كل العالم

لقد ضاعف اعتزال رامبو المفاجئ الأدب في العشرين من عمره، وصمته المُلغِز الذي رافقه حتى اللحظة الأخيرة من حياته، الاهتمامَ به ولا يزال. وقد تكون عبارته: "الحياة الحقيقيّة غائبة. لسنا في العالم"، واحدة من المفاتيح لفهم هذا الصمت. إنها إشارة إلى أنّ اللغة تسبق الواقع، وأنّ الهوّة شاسعة بين القول والفعل، ما يؤدّي إلى شعورٍ بعدم الانتماء إلى عالم مقيَّد ومحدود ومُسَيَّج بقيَم صغيرة. 

ذات يوم، طالعتني في واجهة أحد المحلاّت المختصّة بالرسائل القديمة في شارع "أوديون" رسالة بخطّه، اكتُشفَت حديثاً، ويتحدّث فيها عن تسليم الملك منليك كمّيّةً من البنّ مع ذِكر قيمتها المادّيّة. تحيلنا هذه الرسالة إلى رسالة أخرى، وجّهها إلى عائلته عام 1880، أي بعد وصوله إلى عدن، وقبيل انتقاله إلى هرار، وجاء فيها: "أفكّر في مغادرة هذه المدينة قريباً، لأذهب وأتاجر، أو أستكشف وحدي، في المجهول". هكذا ذهبَ "العابر بنِعالٍ من ريح"، وتاجرَ في البنّ والأسلحة والجلود، وعانى من المرض، ثمّ عاد ليموت في البلد الذي وُلد فيه.


* كاتب لبناني مقيم في باريس

آداب
التحديثات الحية
المساهمون