"أدب السجون السوري" لريبيكا شريعة طالقاني.. اللغة تمثيلاً للألم
استمع إلى الملخص
- تستعرض الباحثة ريبيكا شريعة طالقاني تأثير الاعتقال على العلاقات العاطفية من خلال نصوص أدبية، وتناقش كيف يعكس أدب السجون تجربة المعتقلين بشكل حسي مقارنة بالخطاب الحقوقي.
- يناقش الكتاب تأثير التعذيب على صوت المعتقل وتوثيق الانتهاكات، ويؤكد على أهمية تطوير خطاب حقوق الإنسان لدعم المساجين، مسلطًا الضوء على أهمية أدب السجون في فهم الإنسانية.
يضيء كتاب "أدب السجون السوري - بويطيقا حقوق الإنسان"، للباحثة الإيرانية ريبيكا شريعة طالقاني، بترجمة حازم نهار، الصادر حديثاً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "ترجمان"، جانباً قاتماً من التجربة السورية في نظام الأسد الأب والابن، وهو الجانب الذي رسم جزءاً من السطوة الأمنية التي تجاوزت السجون، وشملت الحياة خارجها.
الكتاب يعيدنا إلى ذلك الداخل الذي استمرّ مجهولاً، بصورة أتاح سقوط النظام في نهاية العام الماضي لنوعٍ من التحشيد النفسي لم تكن حقائق السجون السورية بحاجة له. إذ تكفي الحقائق بذاتها كي تعرّي منظومة التعذيب التي كانت قائمة. والسجن بالصورة التي يعرضها الكتاب، يكشف جانباً من حقيقة التعذيب مشتملاً على آثاره النفسية وعلى تداعياته حتى بعد الخروج من السجن. فالسجن قهر الإنسان، وهدر وجوده.
تبحث طالقاني في أدب السجون من زاويتيْ حقوق الإنسان والأشكال الأدبية. مع إحاطة بالحال السياسي العام الذي اشتمل، سنوات حكم الأسد الأب منذ عام 1970 والابن حتى سيطرة "داعش"، على سجن تدمر. سيطرة حملت في حينها مفارقة أن يقضي تنظيم، مثل داعش، أنتجته الحداثة بتصوّراتها المتوحشة، على سجن بناه نظام كان يسوّق نفسه بصفة نظام تقدّمي. الكتاب لا يعرض ذلك كمفارقة، بل كاتصالٍ، وتبنٍّ.
تدفن الهشاشة العاطفية السجين وتُغرقه في الأوهام
يشير وصف "بويطيقا حقوق الإنسان" في العنوان الفرعي للكتاب إلى ما معناه: بحث الطريقة التي تُكتب فيها النصوص الأدبية، بعرض عناصرها كاللغة والسرد. كما تفاضل الباحثة بين أدب السجون وبين نصوص حقوق الإنسان، بأن تعرض جماليات هذا الأدب، وهي ليست جماليات أدبية محضة، بل هي جماليات التأثير والإيحاء، وتقديم صوت السجناء بصورة مباشرة.
تحدد طالقاني في الفصل الأول "أدب السجون والنوع الأدبي وتأثيرات الحقيقة" تعريفات عديدة لأدب السجون الذي تقصده في دراستها؛ بالتركيز على كونه أدباً مضادّاً لرواية الدولة الرسمية، ومرتبطاً بصورة خاصة بمعارضة الأنظمة.
من جهة تعزز الباحثة أو تبحث عن قرائن لفكرة مفادها فهم الأعمال الأدبية لما يتعرض له المعتقلون بشكل حسيّ وملموس، وبلا أي قالب أو نموذج محدد، فالسجن بذاته، وبهذا المعنى، يبتدعُ أشكاله الجديدة. وتعرض الباحثة هذا بالمقارنة مع خطاب حقوق الإنسان القائم على طمس شخصيات المعتقلين وأصواتهم داخل صيغ قانونية تنزع عن السجين صوته بأن تعطيه لراوٍ عليم، أو لضمير ثالث. بخاصة عندما تتحدث المنظمة أو المؤسسة أو الجمعية الحقوقية باسم السجين. الباحثة تدرس هذا المحو، أو ما تدعوه "التشويش السردي" الذي يقوم به خطاب حقوق الإنسان.
تضيف في الفصل الثاني "الهشاشة العاطفية وسياسات الاعتراف" بعداً آخر لهذا الطرح، وهو بعد عاطفي، باعتمادها على نصوص القاص السوري إبراهيم صموئيل في قصتين تظهران عمق التشوّه الذي يصنعه الاعتقال، وتُظهر الشرخ العاطفي بين الآباء والأبناء الناجم عن آليات القمع السياسي.
في إحدى القصص يتعلّق الابن بصورة أبيه المعتقل، إلى درجة أنه عندما يتحرر من السجن بعد سنوات يخفق الطفل في التعرف إلى أبيه، وكأن الأب بقي معتقلاً داخل الصورة، حتى بعد تحرره، ويصف لحظة عناقه لابنه "أحسست حجراً بيني وبينه". في قصة "الزيارة" لإبراهيم صموئيل أيضاً، وبعد انتظار المعتقل زيارة ابنه له، يرفض الابن الاعتراف بأبيه، يخاف ويبتعد ويطلب من والدته أباً غيره.
في "أصابع الموز" لغسان الجباعي، تتبدّى الهشاشة العاطفية التي تجعل السجين غارقاً في الأوهام، ولم يعد قادراً على التمييز بين الواقع ورحلاته الخيالية، إلى حد أن السجين يحتفظ بالموز إلى أن يسوَدّ وهو ينتظر أن يجيء ابنه في زيارة، لكن الطفل لا يأتي. وفي الحقيقة، لا نعرف إن كان موجوداً. يبقى أن الباحثة تقابل هذه الصور الوجدانية مع نصوص حقوق الإنسان التي تحوّل الإنسان إلى "وضع قانوني"، وكأن الإنسانية يمكن أن تسحب أو تعاد وفقاً للتوصيف القانوني.
بوصف الكتاب بويطيقا عن أدب السجون، يستعرض في الفصل الثالث "إعادة تصوير التعذيب: شرانق اللغة" فكرة مفادها أن التعذيب والاستجواب يفككان صوت المعتقل ويجعلانه متوافقاً مع صوت النظام، أيضاً لأسباب توثيق انتهاكات حقوق الإنسان يحدث نوع من العنف السردي، وكأن "الإنسان الحقيقي فكرة مجردة". إذ يطلب من أحد السجناء أن يلخص تجربة التعذيب التي تعرّض لها في 180 كلمة. في حين الألم يلح على الدلالة، ويلح على اعتبار اللغة تمثيلاً للألم. في الفصل الرابع "عن أنماط الحياة: الخرائط المضادة والجغرافيا العاطفية"، تعرض طالقاني قدرة الدولة على تسجيل سطوتها على أجساد المعتقلين السياسيين من خلال سلسلة من أشكال الحرمان والانتهاكات. وفي القصص التي تعرضها للدلالة على سطوة السجن وعمق آثاره، مع الخروج من السجن تصبح المساحة داخله وخارجه "غير قابلة للتمييز".
في الفصل الخامس عن "مملكة الموت والجنون: المراقبة والسريالية في سجن تدمر العسكري"، يجد القارئ نفسه في سجن تدمر، حيث فرضت قيود على المعتقلين تخصّ حدود الرؤية، بعدم رفع الرأس. وفي المقابل، تظهر رواية مصطفى خليفة "القوقعة" قدرة المعتقل على توليد أشكال من المراقبة المضادة، بأن تجعل ما يحدث في السجون مرئياً لمن يقرأون مذكراته عن السجن بصفته مسيحياً، ثم ملحداً. وقد حكم عليه النظام بالسجن، وحكم عليه زملاؤه من التوجهات الإسلامية بالصمت. عندما يخرج من السجن يفقد الإحساس الاحتفالي، والقدرة على التواصل، كأنه "يحمل قبراً في داخله"، وقد خلق السجن وإقصاء زملائه له هوّة بينه وبين الآخرين. هذه الهوّة هي ما يعرضها أدب السجون، بتصوير التجربة التي عبر فيها السجن، ولا يعرف الآخرون، في الخارج، ما يكفي عنها.
يفكك التعذيب صوت المعتقل ويجعله متوافقاً مع صوت النظام
ترتيب يقود إلى الفصل السادس "درج الأيام المنفردة: ما وراء السرد والمنفى" بفكرتيه؛ إسهام أدب السجون، بصفته سجلاً توثيقياً يشارك في إعادة تعريف الفرد من منظور مشروع جماعي لمواجهة النظام السوري - فالكتاب صدر قبل سقوطه - والمقاربة بين السجن والمنفى باعتبارهما نوعاً من العقاب؛ فكلاهما يتخذ شكلاً من أشكال الإبعاد ونزع الألفة والاغتراب. ووفق تعبير عبد الرحمن منيف فإن السجين والمنفي كلاهما "شخص متهم". وبالاعتماد على مقاربة إدوارد سعيد بتحذيره من الاحتفاء بـ"منافع المنفى كعنصر تعويضي"، تخلص الباحثة إلى أن جماليات أدب السجون لا يجب أن تخفف من رعبه.
الكتاب الذي صدر بالإنكليزية قبل إسقاط النظام، يخلو من الأمل - من جرّاء فرط العنف الذي مارسه بحق شعبه - لكن على هامش الكتاب، تذكرُ الباحثة الغضب والصدمة التي شعر بها بعض سجناء صيدنايا عندما سمعوا عن تشكيل مليشيات معارضة تحارب الجيش السوري الحر. إذ ذهبت آمالهم بأن يحررهم الجيش السوري الحر. وتذكر في قراءتها لفيلم يوثق هذا التفصيل المرتبط بمحاربة الجيش الحر، أنَّ المعروف الذي انتظره من كانوا سجناء في صيدنايا، وعلى لسانهم: "أن يجعلوا السجن ينهار فوقنا".
الباحثة الإيرانية في التفاصيل التي تعرضها، تجيب عن سؤال، هو: ما الذي نتعلمه من أدب السجون السوري عند الحديث عن الإنسانية وحقوق الإنسان؟
وهي تسرد مآثر أولئك الذين قضوا في السجون. مع أنه بحث أكاديمي، إلا أنّ القارئ يجد فيه تلك الذوات التي قهرها عنف السجن، وعنف الانتزاع من الحياة العادية. ومن خلاصتها لهذا الأدب، تسعى إلى تطوير خطاب حقوق الإنسان، كي ينصر المساجين، لا كي يجرّدهم من تجاربهم وينزع عنهم أصواتهم.