أحمد فال الدين: صورة الأقوام والأديان في مرايا الجاحظ
- يعرض الكتاب منهج الجاحظ النقدي القائم على الرَوِيّة، التَبَيُن، والاعتبار، لبناء وعي ذاتي مستقل يعزز قدرة العقل العربي على بناء أدواته الخاصة.
- يشجع الكتاب على استعادة فكر الجاحظ لتعزيز الوعي بالقدرات الذاتية للأمم، مؤكداً أن نهضة الأمم تبدأ من استقلال الرؤية وجرأة السؤال بعيداً عن التبعية.
كيف تُولد صورة أمة في أذهان الآخرين؟ وهل تصنع الوقائع هذه الصورة أم تصنعها الحكايات التي تتكرر حتى تتحول إلى حقائق راسخة؟ في زمن تتصارع فيه الروايات الكبرى على تشكيل الوعي العالمي، يأتي كتاب "مرايا أبي عثمان: صورة الأقوام والأديان في تراث الجاحظ" (دار الكتاب الجديد، بيروت، 2026) للكاتب والباحث الموريتاني أحمد فال الدين، ليقدم الجاحظ بوصفه عقلاً نقدياً سبق عصره في مساءلة الصور الذهنية، وكشف الآليات التي تصنع بها الأمم صورتها وصورة غيرها.
المَروِيات تصنع الأُمم
كان بديع الزمان الهمذاني دقيقاً حين لاحظ أن "لكل زمان جاحظاً"، وهي مقولة يشير من خلالها إلى أهمية استمرار المواهب الأدبية والثقافية والنقدية عبر الأزمان، لكنها تكشف أيضاً عن حيوية وأهمية نصوص الجاحظ في مختلف العصور، خصوصاً تلك التي شكلت مركزية فكرية مبكرة في موضوع النظرة إلى الذات والآخر، وبناء الصور الواقعية أو المتخيلة عن الشعوب وثقافاتها ومكانتها. هذه النظرة التي أحيطت بالإهمال هي محور الكتاب، إذ شهد عصرنا الكثير من الجدل منذ دخول نابليون إلى مصر عام 1798، مروراً بالاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى يومنا هذا، حتى أصبحت مسألة العاقل المتفوق والمتأخر التابع محل صراع يدور في فَلكِهِ المفكرون والمؤرخون والأدباء، دون الالتفات بما يكفي إلى إحدى أهم المرجعيات العقلانية العربية التي يجسدها فكر الجاحظ.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
يبدأ أحمد فال الدين بتحليل بيئة الجاحظ ودورها في تكوين عقليته الفريدة، إذ نشأ في البَصرَة التي تميزت بتنوع ثقافي وعرقي وديني، مما سمح له باكتساب الوعي حول أهمية صناعة الآراء والقدرة على استكشاف الرأي والرأي المُخالِف، والبحث في أسباب الاختلاف الذي تتعدد أشكاله من أبسطها إلى أخطرها، وهو ما قاده للانتباه مبكراً إلى أهمية الكلمة ورسوخها في التاريخ، بوصفها قادرة على صنع الواقع أو التأثير فيه، ومن ثم فإنه أولى الكلام أو الحديث اهتماماً كبيراً، إذ انتقل بمفهوم السرديات كما نعرفه الآن إلى مستوى متقدم ضمن زمنه، حيث نظر إلى الإنسان بصفته مَروِيَة، وبالتالي فإن المجتمعات والأمم لديه، هي ما يُقال عنها ويستقر في الأذهان بخصوصها، مما قاده لفهم مدى قوة المَحكيات والسرديات في تأسيس واقع سلبي أو إيجابي حتى لو كان لا ينتمي إلى الحقائق أو الأحداث أو إلى وقائع تاريخية موثقة.
يرتبط الجاحظ بزمننا ارتباطاً وثيقاً عبر أفكاره المتقدمة
يرتبط الجاحظ بزمننا ارتباطاً وثيقاً عبر أفكاره المتقدمة هذه، ففي عصرنا مثلاً، أسهمت مرويات استشراقية في تغيير مصائر شعوب ودول، ما أدى إلى التمهيد لتقسيم مناطق كاملة واحتلال أخرى حول العالم وليس في منطقتنا العربية فقط، بناءً على نظرة مركزية استعلائية تضع الآخر في قوالب نمطية تصفه بالكسل أو الهمجية والجهل مثلاً بسبب دينه أو عرقه ولونه. وفي المقابل، فإن فكر الجاحظ شكل تنبيهاً مبكراً على تواري مبررات قمع الآخر واستعباده أو احتلاله في التفاصيل البسيطة والمشاهدات والحكايات التي تحولها القوى إلى سردية وتضعها في محور الخطاب الذي يستهدف إقصاء الآخر.
المنهج النقدي والاستقلالية الفكرية
نادراً ما يُستحضر الفكر العربي التاريخي في سياق معاصر دون أن يقع خلاف يختصره سؤال: الماضي أم الحاضر؟ لكن الإجابة تكمن ربما في الحاجة الحضارية المُلِحَة لقراءة الأسس الفكرية والبناء عليها في الحاضر، فلا أحد يجزم بضرورة هدم التراث أو التمسك به وحده، وهو ما يجسده الكتاب بوضوح، من خلال التركيز على المنهج النقدي للجاحظ، الذي يتيح من خلال عناصره الثلاثة: الرَوِيّة والتَبَيُن والاعتبار، بناء وعي ذاتي يرفض التبعية، لا في عصر الجاحظ وحده، بل وفي عصرنا أيضاً، فالمُستعمِر الذي ظل مُولعاً لقرون بتبرير تفوقه مثلاً، عاد لنبذ ماضيه اليوم عبر أطروحات أخلاقية ما بعد كولونيالية وتبنى قيم المساواة وحرية الرأي، ليبدو وكأنه يحتكر الداء والدواء معاً، دون منح الآخر استقلالية فكرية تمكنه من نقده وتجاوزه بأدواته الخاصة.
ينتقل هذا إلى السؤال الأهم الذي تقدمه أفكار الكتاب: كيف يمكن للعقل العربي أن يبني أدواته الخاصة في النظر إلى العالم؟ وهنا يبدأ منهج الجاحظ في الظهور بوصفه مشروعاً معرفياً لا مجرد تراث أدبي، يسعى إلى بناء وعي مستقل دون التنصل من العالَم، عبر مجموعة من التصورات الأكثر موضوعية وإنسانية، فالَرَوِيةُ في منهجه مهمة ذهنية شاقة للوصول إلى خلاصات معرفية موثوق بها، أما التبين فهو الوقوف على الأفكار والخلاصات المعرفية إلى حين فهمها بأفضل ما يمكن، فيما يعني الاعتبارُ عدم النظر إلى الظواهر سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو سواها، دون دراستها وتأملها وفهم أسبابها وأصولها.
تمنح أفكاره الإنسان المعاصر الذي يعاني من هذه الأزمة ثقة حضارية
يؤسّس الجاحظ منهجه على رؤية بحثية تظهر آثارها في مختلف كتبه، كالرسائل والحيوان والبخلاء وغيرها، ليستخدمها في عقد مقارنات وتصدير روايات عن الثقافات والأمم بما يخص دياناتها وأعراقها، فيذكر المحاسن والمساوئ وفق معاييره، ويظهر الإيجابيات والسلبيات، ويشير إلى الانفتاح المعرفي المتمثل بالحوار مع الآخرين طريقاً لفهم البشرية من خلال فهمهم لا تصنيفهم فقط. ورغم أنّ الجاحظ وضع الآداب والأخلاق والحكمة والعِلم أُسساً لتصنيف الأمم في رأيه، إلّا أن آراءه التي تبدو جازمة بشأن اختيار الأفضل بين الشعوب، لم تمنعه في النهاية من كشف الإيجابيات وعدم الاكتفاء بالسلبيات، إلى جانب أنه حين رأى صفات معينة في بعضها، مثلاً، كالعصبية، فسلط الضوء على نبذ هذه الصفة ووصف أخطارها، ولم يقم بإدانة جماعية على أساسها.
الثقافة وصورة المستقبل
يطرح الكتاب أسلوب الجاحظ ومنهجه وفكره في تجسيد الآخر عبر صور شتى وتفضيل أمم على أخرى، لنرى الجاحظ يصفه بالنمطي والسطحي أحياناً، وبرأي المؤلف، فإن هذا التحيز يعود في أسبابه إلى الحقبة الضاغطة سياسياً واجتماعياً التي عاش الجاحظ ضمنها، لكنه في الحين ذاته، لم يصور القصور في ثقافة معينة أو مجتمع معين بسبب ظروف بيئية أو اقتصادية أو سياسية على أنه قصور أبدي دائم يستدعي الرغبة في تدمير الآخر أو تحييده مثلاً، وبالتالي فإن التفضيل لديه بين الأمم تاريخي آنِي، أي أنه لا يحمل نظرة عنصرية، فالتميز الذي قد يمتلكه مجتمع معين، يعود إلى الكسب البشري القائم على الحرية، وعلى الخيارات السياسية والاجتماعية والتربوية والسياسية التي يسلكها.
تشجع استعادة الجاحظ في هذا السياق على فهم مدى أهمية تعزيز الوعي بالقدرات الذاتية للأمم، وبمبادئ العدالة وكرامة الإنسان التي تبنيها بنفسها عبر عملية تراكمية وتكاملية طويلة، تسمح لها بتطوير نفسها ومروياتها، والتفاعل مع الآخرين وامتلاك الحرية لتقبل المحاسن ورفض المساوئ بما يناسب ثقافتها. يضيء الكتاب إذن، على فكرة محورية مفادها أن التحديث أو التطوير غير مشروط بالتبعية، حتى لو كانت القوى التي تمتلك المعرفة والقدرات التكنولوجية الحديثة لا تقبل مشاركتها مع العالم إلا عبر نوع من التمييز مثلاً.
إن أفكار الجاحظ كما طرحها أحمد فال الدين في كتابه، تمنح الإنسان المعاصر الذي يعاني من هذه الأزمة ثقة حضارية، إذ يُثبت تتبع منهج الجاحظ في جوانبه الإيجابية، أن نقد التمييز ليس بضاعة غربية حديثة استوردناها عبر مفاهيم ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، بل هو إرث أصيل في عمق ثقافتنا، يشكل دافعاً لاكتساب المزيد من الثقة في إعادة اكتشاف الذات والعالم، عبر ممارسة نقدية واعية تتحرى المستقبل، الذي يتطلب الوصول إليه عقولاً تدرك أن نهضة الأمم تبدأ من استقلال الرؤية وجرأة السؤال وقدرة الإنسان على مراجعة مسلماته باستمرار، لا الخضوع فقط إلى مبدأ القوة والعنف في عالم لا زالت مرويات الماضي فيه، تُستخدم في تبرير القمع والاحتلال وشن الحروب حتى يومنا هذا.