أحمد شوقي حسن.. من الموسوعات الورقية إلى الخوارزميات

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:24 (توقيت القدس)
من المعرض (غاليري كايرو)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستكشف معرض "99 قطعة فنية مجانية" للفنان أحمد شوقي حسن العلاقة بين التقنية الحديثة والذاكرة البصرية، مستلهماً من تجربته في مطار زيورخ باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحويل الأوصاف النصية إلى صور خيالية.
- يسلط المعرض الضوء على التحول من الموسوعات الورقية إلى الأرشيف الرقمي، مما يعكس تغيرات في إنتاج وتداول المعرفة الفنية، ويقارن بين زمن الخمسينيات والستينيات وزمننا الراهن.
- يقدم المعرض أعمالاً تركيبية مثل تماثيل مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد، ويعكس اهتمام شوقي حسن بمفهوم الفن وتحدياته في ظل التحولات الاقتصادية والثقافية.

في زياراته سويسرا، وأثناء تحرّكه داخل مطار زيورخ، انتبه الفنان المصري أحمد شوقي حسن إلى عبارات ترحيبية قصيرة تُذاع عبر مكبر الصوت في عربات المترو المخصّصة لنقل المسافرين بين البوابات. تضمّنت العبارات وصفاً مقتضباً للمدينة، ولمحة عن تاريخها، ومواردها الاقتصادية، وأهم معالمها. لم يستغرق الأمر سوى دقائق، لكنها كانت كافية لتثير في ذهنه سلسلة من التساؤلات حول الصور المسبقة والتصوّرات المعلّبة التي يمكن أن تكوّنها الكلمات عن مدينة لم يرها الزائر بعد. التقط الفنان ذلك النص الصوتي، وأدخله في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور بالنصوص، وهي تطبيقات تتيح للمستخدم تحويل الأوصاف النصية إلى صور رقمية، فجاءت النتيجة مشاهد خيالية للمدينة لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

أعاد شوقي التجربة مراراً، فظهرت صور متقاربة لا تختلف كثيراً عن الأولى، ما دفعه إلى التفكير في حدود التخيل الآلي، وفي الطريقة التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي إنتاج الواقع وصياغة المعنى. من هنا انطلقت فكرة معرضه الجديد "99 قطعة فنية مجانية" الذي يضع علاقتنا المعاصرة بالتقنية والذاكرة والتمثيل الفني تحت مجهر التساؤل.

يستمر المعرض في غاليري كايرو بالقاهرة، حتى السابع والعشرين من الشهر الجاري، ويضمّ مجموعة أعمال تجهيزية تمزج بين المواد الرقمية والمادية، وبين الصورة الفوتوغرافية والمنحوتة ثلاثية الأبعاد، وبين الوثيقة القومية والأرشيف المفتوح. في هذا التكوين الهجين يسعى شوقي حسن إلى إعادة قراءة التحوّلات التي طرأت على الذاكرة البصرية المصرية منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم.

تتحوّل المعرفة من مشروع قومي إلى أرشيف متاح ومفتوح

ينطلق المعرض من مقارنة بين زمنين متباعدين ظاهرياً ومتصلين عميقاً في الجوهر، من زمن الخمسينيات والستينيات الذي شهد ذروة المشروع القومي في مصر، وزمننا الراهن الذي تُعاد فيه صياغة الذاكرة عبر أدوات رقمية عابرة للحدود. في تلك الحقبة، كما يشير بيان المنظّمين، كان ثروت عكاشة، وزير الثقافة المصري، واحداً من أبرز رموز المشروع الثقافي للدولة الوطنية. فقد أشرف على تأسيس مؤسسات كبرى للفنون، وأطلق مشاريع موسوعية مثل "موسوعة تاريخ الفن"، وكتابه الشهير "العين تسمع والأذن ترى"، وهما نموذجان يحتفيان بالفكر الجمالي الغربي نموذجاً للنهضة الفنية.

هذه المقارنة بين مشروع وطني مؤسسي وبين مشروع رقمي لا مركزي هي ما شكّلت نقطة الانطلاق الفكرية للمعرض. كانت تلك الموسوعات، في نظر شوقي حسن، محاولة لصياغة هوية بصرية جديدة، لكنها في الوقت نفسه حملت في طيّاتها نزعة استعراضية نحو التمثّل بالغرب واتخاذه مرجعاً ومعياراً. لم يسع الفنان هنا إلى تفنيد هذه التجربة أو التقليل من قيمتها، بل وضعها في مواجهة مع زمن آخر، زمن الإنترنت، حيث تتحوّل المعرفة من مشروع قومي إلى أرشيف متاح ومفتوح، وحيث تُستبدل الموسوعة الورقية بقاعدة بيانات لا نهائية.

أحمد شوقي حسن - القسم الثقافي
(من المعرض)

في هذا المعرض، الذي يضم ستة أعمال تركيبية، يتعامل أحمد شوقي حسن مع التحوّل من زمن الموسوعات الورقية إلى العصر الرقمي بوصفه ظاهرة فنية وثقافية معاً. فبينما كانت موسوعات ثروت عكاشة تعتمد على الصور والنصوص لتوثيق الفن وتاريخه، أصبح الأرشيف اليوم يقوم على برامج الذكاء الاصطناعي التي تُنتج الصور تلقائياً بناءً على أوامر وبيانات رقمية. وهكذا لم تعد الصورة تسجيلاً مباشراً للواقع كما تلتقطها الكاميرا، بل صارت شكلاً جديداً من الخيال تولّده الخوارزميات، وفق طريقتها الخاصة في رؤية العالم.

تتخذ أعماله شكل تحقيق فني في معنى العمل الفني ذاته

يعرض الفنان سلسلة من الأعمال التي تُجسّد هذا التحوّل. من بين هذه الأعمال، يعرض الفنان أربعة وثلاثين تمثالاً صغيراً مطبوعاً بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، تتراوح أطوالها بين عشرة وعشرين سنتيمتراً، وهي جميعها نماذج رقمية، جرى الحصول عليها عبر الإنترنت من مواقع تتيح محتواها مجاناً. وفي أحد أعماله التي عرضها تحت عنوان "برجاء لمس التاريخ بعناية"، وهو عمل يتألف من تسع طبعات فوتوغرافية مؤطرة، يعيد الفنان النظر في العلاقة بين الصورة بوصفها وثيقة وبين المتحف بوصفه مؤسسة تحفظ الماضي، لكنها تعيد إنتاجه باستمرار.

يتعامل الفنان هنا مع الذاكرة البصرية لا بوصفها أرشيفاً ثابتاً، بل بكونها حقلاً تتنازعه سلطتان، الأولى سلطة الدولة التي احتكرت إنتاج المعرفة في الماضي، والثانية سلطة السوق التي تُحوّل اليوم كل معرفة إلى سلعة رقمية. من هنا يمكن قراءة عنوان المعرض "99 قطعة فنية مجانية" بوصفه تعليقاً تهكّمياً على آليات التقييم والتداول في عالم الفن المعاصر، وعلى المبدأ السائد الذي يجعل من العمل الفني مجرد منتج قابل للتحميل أو النسخ أو البيع بنقرة واحدة.

يقدّم المعرض أيضاً سبعة وعشرين عملاً من الكولاج، تجمع بين صفحات في موسوعة تاريخ الفن لثروت عكاشة ونماذج ثلاثية الأبعاد مفتوحة المصدر. هنا يعيد الفنان بناء الموسوعة على طريقته، لا بكونها مرجعاً أكاديمياً، بل فضاء بصرياً يتقاطع فيه القديم مع الجديد، وتتصادم فيه المرجعيات الجمالية الكلاسيكية مع الصور الرقمية المعاصرة. فهذه الأعمال الصغيرة المنفذّة على مساحة لا تتجاوز أوراق A4 تشكّل أرشيفاً موازياً لرحلة الفن الحديث والمعاصر، حيث تتجاور الموناليزا مع النماذج الرقمية، والنحت الكلاسيكي مع صور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لفضح هشاشة الحدود بين التاريخي والآني، وبين العمل الأصلي والنسخة.

لا يمكن فهم هذا المشروع البصري بمعزل عن اهتمام شوقي حسن البحثي بمفهوم الفن ذاته، وهو ما يتجلّى أيضاً في روايته "انهيار مصنع الفن المعاصر" (دار المحروسة، 2022). في الرواية، كما في المعرض، يتتبّع الفنان الأزمات البنيوية التي تعانيها الممارسة الفنية في مصر والعالم العربي، من شحّ الدعم المؤسسي إلى هشاشة سوق الفن وازدواجية الخطاب النقدي.

يقدّم شوقي في الرواية شخصية فنان شاب، يكتشف أن مهنته نفسها باتت هامشية، وأن القيمة الرمزية للفن تتآكل في ظلّ منظومة اقتصادية تجعل من المعاصَرة سلعة. هذا الوعي النقدي ينعكس في ممارسات شوقي البصرية، حيث تتخذ أعماله شكل تحقيق فني في معنى العمل الفني ذاته، وفي شروط إنتاجه وتداوله داخل نظام عالمي متشابك.

في هذا المعرض يسعى الفنان إلى اختبار إمكانية التوفيق بين الحلم التنويري القديم والرؤية الرقمية الجديدة، حيث تتبدّى مسافة زمنية وثقافية، لكنها أيضاً مسافة معرفية بين نمطين من إنتاج المعنى. الأول مؤسسي يطمح إلى بناء ذاكرة وطنية، والثاني شبكي يقوم على التشارك والنسخ وإعادة التدوير.

المساهمون