آدم زاغاييفسكي... عودةٌ أخيرة إلى لْفوف

آدم زاغاييفسكي... عودةٌ أخيرة إلى لْفوف

25 مارس 2021
الصورة
آدم زاغاييفسكي خلال مظاهرة في مدينة كراكوف ضدّ سياسات الحكومة البولندية، صيف 2017 (Getty)
+ الخط -

قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، كان آدم زاغاييفسكي معروفاً في بولندا، وفي بعض الأجواء الشعرية والأكاديمية في فرنسا والولايات المتّحدة الأميركية، كواحدٍ من أبرز شعراء الجيل الشعري الجديد في بلده. ذلك الجيل الذي حمل، بدءاً من عام 1968، اسم "الموجة الجديدة"، وهي حركة سيصبح زاغاييفسكي، الذي غادرنا يوم الأحد الماضي عن خمسة وسبعين عاماً (1945 ـ 2021)، أيقونتَها في العقدين الأخيرين من حياته.

عندما بدأ آدم زاغاييفسكي الكتابة والنشر (أصدر قصيدته الأولى، "موسيقى"، عام 1967)، كان أمامَه وأمام أبناء جيله قاماتٌ من الشعراء البولنديين المعترَف بأعمالهم حتّى خارج بولندا، بل خارج أوروبا، مثل تشيسلاف ميلوش وزبيغنيو هربرت، ومن بعدهما فيسوافا شيمبورسكا. وإن كان هذا الجيل السابق منقسماً في نظرته إلى العلاقة بين الكتابة الشعرية والنشاط السياسي، وإلى دخول الوقائع السياسية المباشرة إلى القصيدة، فإنّ شعراء "الموجة الجديدة" وجدوا أنفسهم في صلب ظروف سياسية واجتماعية لم يكن معها ممكناً للقصيدة أن تتجنّب الواقع ومسائله. هكذا، صار الشعر، عند زاغاييفسكي ورفاقه في الحركة الأدبية الجديدة، شكلاً للتعبير عن الأحداث اليومية، ولرفض القمع الذي أطبقه الحكم الشيوعي على البلد.

ورغم الانخفاض النسبيّ في هذا القمع في سبعينيات القرن الماضي، إلّا أنّ المثقّفين سيبقون غرَضاً مفضّلاً للمنع وللملاحقة والتوقيف. هكذا، سيجد زغاييفسكي ــ الممنوع عن النشر في بلده بدءاً من 1976، تاريخ توقيعه ما بات يُعرَف بـ "رسالة الـ59" ــ نفسَه من بين عشرات الكتّاب والمفكّرين الذين رأوا أنفسهم مجبرين على اللجوء إلى بلدان في أوروبا الغربية، أو إلى الولايات المتّحدة، بسبب الضغط السياسي في بلدهم. في هذا الوقت، كان الشاعر المولود في مدينة لْفوف (الواقعة حالياً في أوكرانيا) قد أصدر مجموعتيه الشعريّتين الأوليين، "تواصُل" (1972) و"مَحال قِصابة" (أو "محال جِزارة" ــ 1976)، وحاز واحدةً من أرفع الجوائز في بلده للكتّاب الشباب (ما دون الأربعين عاماً): الجائزة الأدبية التي تمنحها "مؤسّسة كوتشييلسكي".

رحل الشاعر البولندي بعد حضور شعري على مستوى العالم

وقد جاء شعره، في هذه المرحلة، غاضباً وفوّاراً، كما لاحظ ذلك الشاعر العراقي الراحل فوزي كريم في مقال قديم له حول زاغاييفسكي. يمكن العثورة على هذه النبرة في أبياتٍ مثل (من ترجمة فوزي كريم): "انهض، شرّع البابَ/ وأرخِ الحِبال/ حرّر النفس من شَبك الأعصاب/ وقل الحقيقة، تلك التي تتطلع إليها/ بيَدك اليسرى أمسكْ بالحب/ وباليمنى الكراهية".

بعد مرورٍ بالولايات المتّحدة، حيث درّس عدّة فصول في جامعة هيوستن، في تكساس، سينتقل الشاعر البولندي إلى باريس بدءاً من عام 1982، التي سيعرف، انطلاقاً منها، اتّساعاً لشهرته، خصوصاً مع حصوله على عدد من الجوائز، مثل "جائزة توتشولسكي" السويدية (1985) وجائزة "نادي القلم الفرنسي" (1987)، ومن ثم "جائزة فيلينيكا" السلوفينية للآداب (1996). وسيُتَوَّج هذا الاعتراف بضمّه إلى "أكاديمية برلين للفنون" عام 1999. أصدر الشاعر خلال هذه المرحلة العديد من الدواوين والمجموعات النثرية والمحاولات، التي تُرجم بعضُها إلى العديد من اللغات الغربية، مثل ديوانيه "الصعود إلى لْفوف" (1985) و"ظمَأ" (1999)، وكتابي المحاولات "التعاضد والعُزلة" (1986) و"في جَمال شخصٍ آخر" (1998).

العربية لم تكن بمعزل عن اللغات التي استقبلت بعضاً من اشتغالات زاغاييفسكي، وإن لم يصدر له فيها أيّ كتاب مترجَم. لكنّ عدداً من قصائده عرفت طريقاً عبر منشورات صحافية متفرّقة، خصوصاً ما نشره منها الشاعر والمترجم العراقي من البولندية، هاتف جنابي، وما نقله من الإنكليزية الكاتب العراقي سنان أنطون. في هذا البعض القليل من النصوص المترجمة، يمكن لنا الوقوف على نصوصٍ لشاعر منهمك بالعالم، يفتح قصيدته لاستقبال شعراء آخرين، وثقافات أخرى. يترجم له هاتف جنابي: "قرأتُ قصيدة صينية/ مكتوبة قبل ألف عام/ يتحدث فيها المؤلف عن المطر/ المتساقط طوال الليل/ فوق سطح زورق خيزراني/ وعن الهدوء الذي حلّ/ بقلبه أخيراً/ هل من قبيل الصدفة/ أن يحلّ ثانية نوفمبرُ والضبابُ/ والغسقُ الرصاصي؟".

سيعرف الشاعر الراحل شهرةً كبيرة إبّان التغطية الإعلامية لهَجَمات 11 أيلول/ سبتمبر، حيث ستنشر مجلّة "نيويوركر" قصيدةً له حول هذه التفجيرات، في الصفحة الأخيرة من عددها الخاصّ الذي وضعته حولها. عرفت القصيدة تداوُلاً كبيراً. وفي السنوات الأخيرة، عرف اسم زاغاييفسكي أضواءً جديدة، ولا بدّ أن اشتغالاته وصلت إلى دوائر جديدة من القرّاء، لا سيّما بعد نيله عدّة جوائز أوروبية مرموقة، كان آخرها "جائزة أميرة أستورياس" الإسبانية (2017).

المساهمون