"زوج مثالي".. أوسكار وايلد خارج صورته

"زوج مثالي".. أوسكار وايلد خارج صورته

16 يونيو 2021
الصورة
من تصميم لمسرحية "سالومي" لأوسكار وايلد يعود إلى نهاية القرن 19 (Getty)
+ الخط -

لا تزال شخصية أوسكار وايلد، كما أعماله الأدبية، تحظى بحضور استثنائي يتعلّق بمضامينها المناهضة لقيم الطبقة البرجوازية وتناقضاتها الأخلاقية، وسلطة المؤسستين الاجتماعية والسياسية، من خلال آرائه الراديكالية ضدّ الأسرة والانتهاكات التي يتعرّض إليها العمّال والمهاجرون والشعوب التي خضعت للاستعمار البريطاني، وتقديمه رؤيته النقدية ضمن أسلوب ينتصر للجمال والمتعة كغاية مطلقة للفن.

صدرت حديثاً عن "مركز إنسان للنشر والتوزيع" في القاهرة، النسخة العربية من مسرحية "زوج مثالي" للكاتب الإيرلندي (1854 - 1900)، والتي نقلها إلى العربية إسحق بندري. يطرح العمل تساؤلات حول مفاهيم الحب والزواج والصداقة والعفو والصفح والاحتيال والدهاء والفارق بين الحياتين العامة والخاصة. كما يُشكّل صدوره فرصة لإخراج التلقّي العربي للكاتب من صورته الشائعة التي ارتبطت بكتابه الأشهر، "صورة دوريان غراي".

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول المترجم المصري: "وايلد واحد من الأدباء الذين باتوا في عداد كلاسيكيات الأدب العالمي، وليس الأدب البريطاني فحسب"، متأسّفاً من عدم وصول قدر كبير من أعماله إلى العربية، حيث "بدأنا نسمع عن ترجمتها منذ فترة قريبة فقط". يضيف: "لا أجادل في تثمين قيمة ما ينجزه المترجمون من كل الدول العربية في تقديم روائع الأدب العالمي، سواء الكلاسيكية أو الحداثية لقراء اللغة العربية، وهو جهد ثمين ويستحق الإشادة، لكن المؤكد أيضاً أن حركة الترجمة عندنا ما تزال تحتاج الكثير من الدعم من المؤسسات والجهات الثقافية حتى نلاحق الإنتاج الغزير حول العالم. وأتصور أن المسألة تحتاج إلى تكاتف جهات عديدة من أجل إعداد أجيال جديدة من المترجمين، وتبنّي مشروعات قومية لحركة الترجمة بشكل أكثر كثافة مما هي عليه حالياً".

يطرح الكاتب تصوراته حول الجمود الأخلاقي والرياء المجتمعي

حول دوافع اختياره لهذا العمل تحديداً، يلفت بندري إلى أنه قرأ المسرحية بالإنكليزية لأول مرة عام 2007، وهي واحدة من أبرز أعمال وايلد، وما تزال تُعرض على المسارح حتى وقتنا الحاضر، وقدمتها السينما في أفلام كثيرة ولها معالجات إذاعية أيضاً، مضيفاً: "للأمانة الأدبية، لا أعرف هل سبق ترجمتها إلى اللغة العربية من قبل أم لا، إذ حاولت البحث عن ترجمات عربية لها، سواء ورقية أو إلكترونية ولم أصل لأية نتيجة. حتى من سألتهم من أساتذة وأصدقاء لم يسمعوا عن ترجمة لها، وعموماً لا يوجد ما يمنع من وجود أكثر من ترجمة لنفس العمل الأدبي".

ويرى أن "المسرحية تتّسم بالطرافة وعمق الفكر في الوقت ذاته، وهي في لغتها الأصلية تتميز بالبلاغة والبيان وقوة التعبير ورصانة اللغة، ولكنك تقرأها بسهولة ويسر وأيضاً، كما أنها تتناول العديد من القضايا الجدلية المرتبطة بتلك الفترة من العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وتطرح عدداً من القضايا الإنسانية الداعية للتفكير؛ مثل التصورات حيال مفهوم الحب غير المشروط والمثالية والصفح والغفران ومدى تحمل مسؤولية أخطاء الماضي، والاختلاف بين الحياتين العامة والخاصة، والجمود الأخلاقي والرياء المجتمعي".

كما ينبّه صاحب رواية "جميلة الجميلات" (2020) إلى أن المسرحية "تعبّر عن أزمة أوسكار وايلد الشخصية في تلك الفترة من حياته، وكل ما كان يتنازعه من اضطراب خاص وأفكار متعددة تجول في ذهنه عبّر عنها بين سطور العمل"، مشيراً إلى أن "المسرحية تعتمد كلياً على الحوار وليس السرد، وهي مكتوبة بأناقة أدبية رفيعة، ولغة كلاسيكية رصينة، بما يستدعي تقديمه بنفس القدر من الأناقة اللغوية والبيانية، لدرجة أن وايلد كان يكتب الإرشادات المسرحية بلغة رفيعة أيضاً بما يمتع القارئ، وليس لمجرد إرشاد المخرج والممثّلين".

استلزمت الترجمة توضيح العديد من النقاط في الهوامش والحواشي المتعلقة بالبيئة الثقافية والمجتمعية التي تدور فيها أحداث المسرحية، بحسب بندري الذي يوضّح أن "ما هو مفهوم للقارئ الإنكليزي ليس مفهوماً بالضرورة لقرّاء اللغة العربية، ما استدعى الكثير من البحث في ما وراء الكلمات من أحداث أو معان أو حتى حول ما كان وايلد يقتبسه من مقولات لكتّاب أو شعراء آخرين".

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون