"خارج السكّة" من كوسوفو.. الظلام لا يلد نوراً

26 فبراير 2021
الصورة
(إبراهيم قدريّو)
+ الخط -

روايةٌ بسيطة هذه التي صدرت حديثاً في عمّان عن دار "الآن ناشرون وموزّعون" حديثاً، تحت عنوان "خارج السكة" للروائي الكوسوفي إبراهيم قدريّو، ومُترجمُها عن اللغة الألبانية إبراهيم فضل الله. هذه البساطة لا تقتصر على لغة الرواية وأسلوبها، بل تمتدّ حتى إلى تبسيط موضوعها الأكثر تعقيداً من مجرَّد خروج جماعات تتّخذ الدين قناعاً على مسار مستقيم كاستقامة سكّة الحديد، في بلد صغير مثل كوسوفو، شهد مثلما شهدت شعوب البلقان بعد تمزيق يوغوسلافيا الاتحادية (بلد السلاف الجنوبيّين) تخريب مؤسّساته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على مدار عدّة عقود.

وسنرى أنَّ هذا التبسيط سيجعلها أكثر شبهاً بحكاية من الحكايات التي يرويها القصّاصون الشعبيّون في عدد من بلدان البلقان، وهُم يرتجلون حكاياتهم بمرافقة العزف على آلة الجوسلي ذات الوتر الواحد الشبيهة بالربابة. أعني أنَّ كاتب هذه الرواية يكاد يبدو، بسبب بساطتها، أنه يرتجلها، وهو يعزف على وتر واحد؛ وتر هو - حسب كاتب مقدّمتها الباحث والمؤرخ محمد الأرناؤوط - "الجماعات الإسلامية المتشدّدة المدعومة من الخارج، التي خطفت الإسلام المتسامح الذي اعتاد عليه المسلمون في البلقان منذ أن أسلموا قبل قرون عدّة، لتروّج لإسلام متشدَد يدعو إلى (الجهاد) ويُجنّد الشباب لأجل (الجهاد) في بلاد الشام والعراق".

تفتح هذه الرواية، كما يأمل كاتب المقدّمة، "أفقاً جديداً بتعريف القارئ العربي على آداب شعوب البلقان"، وخاصّةً أنّ المبادر إلى هذا الفتح تعاونٌ بين الناشر الأردني و"معهد الدراسات الشرقية" في بريشتينا بجمهورية كوسوفو، وهو معهد مصمَّم على أساس "الاتجاه شرقاً"، كما يُفهم من عنوانه.

فما الذي تُطلع هذه الراوية القارئ عليه؟

بتبسيط أيضاً، يوازي ما لاحظناه من بساطة في اللغة والأسلوب قرّبتها من السرد المرتجَل، تقصّ الرواية منذ السطور الأولى حكاية الفتاة "دييا"، ابنة "أغون ستريسي" المتمرّدة على أوامر أبيها غريب الأطوار منذ أن تحوّل إلى متزمّت أو متعصّب دينياً بالأحرى، والمنتمي إلى "جماعة" تخرج على الإسلام التقليدي الذي عرفه سكّان كوسوفو المسلمون، وتتبنّى ما يسمّيه الكاتب "إسلاماً وافداً" يراه انحرافاً أو "خروجاً عن السكة". وتعيش الفتاة وأمّها، والمجتمع هناك، كوابيس على شكل تطرُّف ديني يأخذه إلى المجهول.

كاتب هذه الرواية يكاد يبدو، بسبب بساطتها، أنه يرتجلها

هناك شخصيات أُخرى، مثل المحامية ل. ب. التي تقف عند مفتتح الرواية مدافعةً عن فتاة قَتلت أباها لأنه دأب على اغتصابها وأختَيها، ثمّ تلك السيّدة المتأنّقة المدعوّة أمينة ترويا التي تبدو وكأنها خرجت للتوّ من صفحات رواية "غادة الكاميليا" لألكسندر دوما، وهي تدخل في زيارة لأسرة "دييا". إلّا أن هاتين الشخصيتين تغيبان بعد صفحات قليلة بلا سبب مفهوم، كما كان ظهورهما بلا سبب مفهوم أيضاً، اللهم إلّا لإلقاء تعليقات، كأن تُعلّق المحامية بالقول إنّ هذا "زمن الكلاب، زمن معبّأ بدناءة الذكور وقسوتهم وعجرفتهم، الذين يعتقدون أنهم يملكون الحق والسلطة المطلقة للتصرّف في كل شيء حتى في الدين"، أو قول شبيهة غادة الكاميليا "أنت ترين بنفسك ما يحدث اليوم، فكأنما الناس قد تجرّدوا مِن أحاسيسهم الإنسانية، وأصبحوا عبيداً لغرائزهم".

ثم ينصرف تركيز الكاتب إلى مظاهر هذه الكوابيس، ومنها في الأساس ما تعانيه الفتاة من قسوة واضطهاد أب يسعى إلى حرمانها حتى من رؤية برامج التلفاز وسماع الأغاني وإكمال دراستها، وفرض ارتداء الحجاب عليها. بينما هي ترى أنّ "ارتداء الحجاب لا يجعلها مستنيرة، على العكس من ذلك، كانت موقنة أنّ الظلام لا يلد نوراً". ويصل الحال بالأب إلى درجة أنه "يهبها" إلى شخص عربي وافد يعمل في كوسوفو ضمن "جماعة" على تجنيد الشبّان الألبان وإرسالهم بحجّة "الجهاد" للقتال في سورية والعراق، تحت ستار إدارة جمعية خيرية.

ويسعى هذا الوافد إلى التقرُّب منها وملاحقتها بل واختطافها، إلّا أنه يُخفق في محاولاته. ولا تظلُّ مظاهر هذا الكابوس خاصّةً بالفتاة وأمّها، بل تتّسع وتشمل قطاعات اجتماعية واسعة؛ فهذا "العنف الكامن بين أسوار البيت"، كما يقول الكاتب، "لن يمضي وقت طويل قبل أن يتمدّد إلى خارجها، فيُشكّل خطراً داهماً على المجتمع كلّه".

الصورة
خارج السكة - القسم الثقافي

وفي متابعة لهذا التمدُّد، يَسرد الكاتب عن طريق رسالة من أمّ مفجوعة حكايةَ اختطاف زوجها المصاب بلوثة ما يسمّيه "الجهاد" طفلَيها، الفتاة إيفا في التاسعة من عمرها، والطفل أندريت في السابعة من عمره، وأخذهما إلى ما تُسمّى "أرض الجهاد"، وتغيير اسميهما إلى "سارة" و"طلحة"! وتقصّ شابة كوسوفية حكاية اختطاف خطيبها لها والذهاب بها مع شابات أخريات إلى مناطق القتال في سورية، بحجّة "القتال في سبيل الله"، ثم تمكّنها بعد أيام مرعبة من الهرب بمساعدة شاب ألباني والعودة إلى وطنها. أما الشاب "يون فيروري"، فسيقص حين التحقيق معه ذكرى مأساوية من ذكريات الحرب الأهلية بين الألبان والصرب، حين يقتل الصرب والده بعد أن ينقذ طفلاً من أطفالهم من الغرق ظنّاً منهم أنه اختطفه!

وتصل جملة هذه الخيوط إلى الذروة، فيحدث انقلاب في الموقف حين تلتقي الفتاة "دييا" ذات يوم في مقهى، بالشاب "يون" الذي أقامت معه علاقة عاطفية، وهو شاب يخطّط لاستكمال دراسته ويدعوها لتكون شريكة حياته في المستقبل، وفجأة ينقض عليهما والدها "أغون" الذي يتصادف وجوده في المقهى، ويمسك بها من شعرها ويجرّها إلى الخارج، فيتصدّى له الطالب ويخلّصها من قبضته، وهنا يحدث عراك ينتهي بأن يطلق "أغون" الرصاص على الشاب، فلا يصيبه في مقتل، ويمسك الشاب بيده ويلويها، فتنطلق رصاصة أُخرى تصيب هذه المرة "أغون" في قدمه.

ينصرف تركيز العمل إلى مظاهر كوابيس التطرُّف الديني

وتكشف هذه الحادثة المحورية، بحضور الشرطة واحتجاز "أغون" في المستشفى، والتحقيق مع بقية الشخصيات، ما خفي من أنشطته وأنشطة جماعته، وتصادر من بيته وثائق وأسلحة، إلّا أن ذلك الغريب المتستّر تحت ستار العمل الخيري ينجح في تهريبه من المستشفى، حيث كانت السلطات تبقيه محتجزاً في انتظار محاكمته بعدّة تهم، ويأخذه إلى بيت منعزل خاص بالجماعة، وينجح أيضاً في اختطاف "دييا" التي "وهبها" والدها له، ويأخذها إلى البيت المنعزل.

وهنا تبدأ خيوط الرواية بالانحلال، مع أنها لم تتعقّد كثيراً، بل وبدا مسار أحداثها كما لو أنه مسار أحداث فيلم من أفلام الكرتون المصنوعة للصغار. تتمكّن "دييا" من الهرب وإبلاغ الشرطة عن مكان الغريب المختطف، ثم تمضي في سيارة أجرة إلى بيت ذلك الشاب الذي سيكون شريك حياتها فتستقبلها أمه وأخته بابتهاج. ويختم الكاتب روايته بالسطور التالية كمن يتنفس الصعداء بعد كابوس طويل: "في ذلك الوقت المبكر من الصباح أشرقت الشمس ضاحكة كدأبها منذ أزمان سحيقة، أشعّتها باهرة تمسح عن وجه الأرض مكر الظلام بفيض من الوهج الشفيق".


* شاعر وروائي وناقد من فلسطين

المساهمون