"المقاومة الجندرية": جدل الأكاديميا والنشاطية

"المقاومة الجندرية": جدل الأكاديميا والنشاطية

13 مايو 2021
الصورة
هيف كهرمان/ العراق
+ الخط -

طرحت الحلقة النقاشية "المقاومة الجندريّة بين الأكاديميا والنشاطيّة" التي نظّمها "المجلس العربي للعلوم الاجتماعية" في بيروت الإثنين الماضي ثلاثة تساؤلات حول كيفية سدّ الفجوة بين المقولات الأكاديمية وفعل الناشطين على الأرض في هذا المجال، وما هي أهمّ المنصّات لنشر معرفة حول الجندر، وإقامة تحالفات إقليمية بين الناشطات النسويات في المنطقة.

افتتحت أستاذة الأدب الإنكليزي المقارن هدى الصدّة الحديث عن ضرورة مراجعة الثنائية التي يفترضها عنوان الحلقة لأسباب عديدة، مشيرة إلى المبالغة في رسم حدود التخصّصات الأكاديمية وتحديد الأدوار المتوقعة من قبل العاملين في حقل التعليم العالي، والتي تشكّل ظاهرة في العصر الحديث، وكيف فتحت وسائط التكنولوجيا مساحات جديدة لإنتاج المعرفة.

كما بيّنت أن دراسات المرأة والجندر نمت عربياً في إطار مؤسسات المجتمع المدني منذ ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تنتقل إلى الجامعات ضمن برامج الدراسات العليا لاحقاً، ونشرت هذه المؤسسات دراسات متخصّصة من قبل العديد من الباحثات والناشطات، ولم يكن ذلك استثناء عربياً بل حدث ذلك في جميع الأنظمة التسلطية التي تفتقد للحرية المعرفية في أكاديميتها.

نمت دراسات المرأة عربياً في إطار مؤسسات المجتمع المدني منذ الثمانينيات قبل أن تنتقل إلى الجامعات

ورأت الصدة أنه انطلاقاً من تجربتها في الجمع بين العمل الأكاديمي وكونها ناشطة نسوية، فإنها لم تجد أي تعارض أو تناقض بينهما، بل إن عملها الناشطي فتح لها مجالات وطرح عليها أسئلة سعت إلى الإجابة عنها في أبحاثها، مستشهدة بتجربتها في "مؤسسة المرأة والذاكرة" التي تهدف في ما تقدّمه من أبحاث في مواجهة هيمنة خطابات ثقافية وتصوّرات نمطية عن المرأة، والاشتباك مع التوظيف السياسي لقضايا النساء في الخطابات الوطنية، والخطابات الاستعمارية أيضاً.

بدورها، أشارت الأكاديمية والباحثة فاضمة آيت مس إلى أن العلاقة بين الأكاديمية والنشاطية في المغرب لم تعد متباينة بشكل كبير اليوم يحكم تراكمات مرتبطة بسياقات تاريخية بدأت بسلسلة أدبيات قدّمتها باحثات من أمثال فاطمة المرنيسي وعائشة بلعربي وعمر عزيمان الذين أسسوا مجموعة بحثية أصدرت سلسلة "مقاربات"، التي نشرت العديد من الدراسات الميدانية عن النساء، بموازاة مجموعات البحث في الجامعات المغربية التي دعمت الحركة النسوية في البلاد التي كانت تقدم مراجعتها لقانون الأحوال الشخصية آنذاك
.
ونبّهت إلى التحول منذ منتصف العشرية الأولى من الألفية الثالثة من استخدام مصطلح دراسات المرأة إلى دراسات الجندر، وتزامن ذلك في تطوّر المشاركة النسائية في الحياة السياسية، ما أتاح مواكبة الأكاديميات للمستجدات الاجتماعية في دراساتهن، إلى جانب تأهيل مجموعة من الباحثات والناشطات تشاركن في تقديم إنتاج معرفة ضمن تراتبية تمنح الحقل الأكاديمي مكانة أعلى في هذا السياق.

لا يمكن الحديث عن الوضع الراهن دون التطرّق إلى أزمة الإنتاج المعرفي باللغة العربية حول النسوية

وتناولت آيت مس دراسة لها حول النساء السلاليات عام 2012، التي تطرّقت إلى الأراضي التي تمتلكها مجموعة من السكان تجمعهم القرابة العائلية، وكانت تُحرم المرأة التي تنتمي إلى هذه المجموعات من حقّها في الميراث، بحسب الأعراف السائدة، ما دفع إلى تأسيس حركة نسائية تطالب بالمساواة بينها وبين الرجل في الإرث، واستطاعت تحقيق مطالبها منذ عدّة سنوات.

أما الباحثة هند أحمد زكي، فاستندت إلى تجربتها الشخصية حيث أتت إلى الأكاديميا بعد خبرة طويلة كناشطة نسوية، مشيرة إلى جملة الإشكاليات بين كلا الحقلين المحكومين لكنها باتت تنحسر يوماً بعد يوم مقابل اتساع الفجوة بين الأكايدميا والنشاطية من جهة وبين السياسة بمعناها الواسع في العالم العربي من جهة أخرى، والتي سيتمّ ترميمها بفعل نموّ الحركات النسائية والذي سيخلق شكلاً من التعطّش لإنتاج المعرفة، المتخصّصة منها، والأقل تخصّصاً تخاطب الرأي العام بشكل عام.

وأكّدت أنه لا يمكن الحديث عن تخفيف هذه الفجوة من دون التطرّق إلى أزمة الإنتاج المعرفي باللغة العربية حول النسوية، ما يستدعي بذل جهد كبير للتقدم بهذا المجال بدلاً من الاعتماد على المرجعيات الغربية التي انبنت على تصوّرات استشراقية ربما تراجعت في الآونة الأخيرة، داعية إلى زحزحة المركزية الغربية بما يتيح ظهور أجندات بحثية أكثر تلامساً مع واقع الحراك الجندري في المنطقة العربية.

الباحث والكاتب الفلسطيني ربيع عيد نبّه إلى أهمية وجود معرفة سياسية لدى أيّة ناشطة في العمل الميداني والمجتمع، ومن دونها يصبح التعامل مع القضايا والمطالبات أصعب، وتغيب أيضاً القدرة عن تحليل بنى القمع السياسية والاجتماعية، لافتاً إلى خصوصية الواقع الفلسطيني حيث تنخرط المرأة بشكل واسع من خلال الحركات الجندرية في الشأن الوطني.

كما أوضح وجود تحدٍ آخر يواجهه الفلسطيني يتعلّق بالقيود التي تمارسها المؤسسة الجامعية الإسرائيلية التي تفرض قيوداً على الأبحاث التي تقام في حقل الدراسات الجندرية التي تخضع لأجندات خاصة تستهدف المشروع الاستعماري الصهيوني، وهناك سعيٌ للتحرّر من هذه الأجندات ما يسبّب مواجهات بين الطلبة الفلسطينيين والأساتذة المشرفين عليهم في جامعات العدو في ضبط المفاهيم واستخدام المصطلحات في أطروحاتهم الجامعية.

وانطلقت الباحثة لينا أبو حبيب من تجربتها الشخصية أيضاً، والتي تتمثّل في انخراطها بحملة إقليمية لتغيير قوانين الجنسية في البلدان العربية، التي كان العديد منها مجحفة بحقّ النساء خاصة قبل عام 2005، حيث كانت نتائج إحدى الدراسات تشير إلى نسبة كبيرة من الناس التي لا تجد مشكلة في هذا الموضوع، موضحة أن قضايا حقوق الإنسان لا تخضع لمزاج الرأي العام المحكوم لتصورات ذكورية مسبقة، وأن الحياد تجاه قضايا حقوق الإنسان، والمرأة، غير مفيد.
 

الأرشيف
التحديثات الحية

المساهمون