"الحوماني سندور": السرد بوصفه متحفاً

02 مارس 2021
الصورة
من "متحف تراث الجزر" في قرقنة
+ الخط -

أن يأتي الروائيون إلى التاريخ فذلك أمر شائع إلى درجة تأسيس جنس أدبي باسم الرواية التاريخية. أمّا الاتجاه المعاكس - أي أن يأتي المؤرّخون إلى الرواية - فإن سالكيه أقلّ بكثير، ولعلّ من أبرزهم المؤرّخ الفرنسي ماكس غالو (1932 - 2017)، كما نجد في ثقافتنا العربية محاولات روائية للمؤرّخ المغربي عبد الله العروي (1933). وهؤلاء، حين يذهبون إلى الأدب، فهم يستندون عادةً إلى معرفةٍ دقيقة بالمادة التاريخية، وخصوصاً بعَيْن مدرّبة على التقاط ما ينبغي أن يحميَه التوثيق - ولو التخييلي - من الاندثار.

في "الحوماني سندور" (دار محمد علي للنشر، 2020)، يدخل المؤرّخ التونسي عبد الحميد الفهري (1955) مغامرة الكتابة الأدبية، لكنّه يختار تصنيف عمله كـ"سيرة روائية" (وليس رواية)، وكأنه يحاول الإبقاء على علاقة وطيدة بالكتابة التاريخية بما أن السِيَر منطقة وُسطى بين الأدب والتاريخ. ذلك ما نقف عليه في تصدير المؤلف لكتابه، حيث يشير فيه إلى أن فكرة العمل نابعة من محاولة اختزال جوانب هامة من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لجُزُر قرقنة ولمدينة صفاقس من خلال مسار شخصية أدبية.

جعل الفهري من بطل روايته، سندور، متنقّلاً على الدوام، كأن الريح تحته، كيف لا وقد أنيطت به وظيفة ملامسةِ التاريخ من كل الجوانب الممكنة. يبدأ الأمر بعالمه الأُسَريّ الصغير في قرقنة، ومنه نكتشف عالم الجزيرة بعلاقاته المتينة مع البحر، وخصوصاً مع المدينة المقابلة في القارة، صفاقس، التي تعيش في بداية القرن العشرين فترةَ تحوّلات حادة في بُناها الديمغرافية والمعمارية، ناهيك بالتغيّرات الجليّة في سلوكيات الناس، مع الاختلاط الكبير الذي جعله الاستعمار الفرنسي واقعاً لا مفرّ منه.

ولكي يؤدّي دوره في إضاءة أكبر عدد ممكن من العوالم، يتقلّب سندور بين المهن فيعمل في المطاعم وبيوت الأوروبيين وعياداتهم وشركاتهم. نقرأ: "لم يترك سندور مهنة إلا وقد جرّبها، وغالباً ما كان ينجح في أداء ما هو مطلوب منه". قد يبدو هذا التركيب لسندور مثل ذريعة كي يتمكّن المؤرّخ من توجيه الشخصية الأدبية حيث يريد، لكن الفهري يستند في ذلك إلى خاصية لدى شريحة واسعة من أبناء جزيرة قرقنة تتمثّل في كونهم يُقدِمون على كل الأعمال الممكنة حين يتوجّهون إلى مدينة صفاقس.

لهذا التغلغل في فضاء الشغل وظيفة أخرى، تتمثّل في إضاءة مناخ الاحتجاج الذي يتداخل فيه النقابي بالوطني في كثير من الأحيان. ومن هنا يتفرّع السياق إلى فصل شهير من تاريخ تونس في مقاومة الاستعمار، مع إضاءة صعود فرحات حشّاد كزعيم نقابي ووطني. يبيّن الفهري كواليس العمل النضالي والاجتماعات السرية والإضرابات، معتمداً في ذلك - مرة أخرى - على مواهب سندور في التسرّب بين شقوق الأحداث.

يُعطي المؤلّف بُعداً إشكالياً طريفاً لعلاقة بطله بفرحات حشّاد، فيقول: "كم كان يؤلم سندور أن يستمع لأكاذيب الطفيليين؛ لم يعرفوا يوماً سي فرحات لكنهم يتحدّثون عنه بحميمية ويقدمون تفاصيل غريبة لإيهام العموم بصلتهم به أيام الجمر".

الصورة
الحوماني سندور

لكن كتاب "الحوماني سندور"، وهو يتقاطع مع التاريخي بمعناه المتعارف عليه، لا يُهمل الغوص في الحياة اليومية للناس ومناوراتها الصغيرة، فيستعرض الكثير - ربما قصْدَ التوثيق - من العادات والأغراض والأسماء، ومنها يَستمدّ العمل كثافَتَه، وأيضاً ارتباطَه بالأدب. 

ولعلّه من الجدير أن نذكر في هذا السياق أن للمؤلّف انشغالاتٍ بالتراث، ومنها تأسيسه في قرقنة لـ"متحف تراث الجزر"، وهو الذي جعل من روايته فضاءً متحفياً آخر. لكنّنا نتأكّد مرة أخرى أن المؤرخ حين يكتب الرواية يظلّ مؤرخاً قبل كل شيء، حتى لو كانت الشخصيات والأحداث من وحي الخيال...

دلالات

المساهمون